أحداث الجزء الأول هنا
الجزء الثاني:
وفي طريقه إلى المنزل قرر أن يعطي المهمة ثلاث دقائق لتنفيذها, دقيقة منها فقط سيقضيها في غرفتها..
هو لن يتوقف ليتأمل غرفتها, ولن يقف
حزينا أمام سريرها ومرآتها, ولن يعبث بمحتويات حقيبة يدها, ولن يتعثر في طريقه بمشترياتها,
ولن يمسك بملف واحد من ملفاتها التي تحتضن خواطرها الأدبية وأشعارها الرائعة.. إنه
في مهمة تتطلب السرعة, سيحضر الحقيبة فقط, وبقدر إبطاءه في تنفيذ هذه المهمة بقدر ما
ستنكأ جراحه ويزداد ألمه.
وبالفعل ذهب مسرعا إلى غرفتها التي لا يخطئ الطريق
إليها مذ كانت صغيرة, وقبل ولوجها كتم أنفاسه لكي لا يشتم رائحة عطرها أو حتى هواء
مر بأنفاسها من قبل.
كانت هناك آثار للفوضى, ربما أحدثتها خالته المتوترة
ورجال الإسعاف, دار بعينه في أثاث الغرفة بشكل آلي, لم يسمح لنفسه بالتوقف هنا أو هناك,
توجه إلى مكتبها.. فثمة حقيبة ملقاة عليه بجوار أوراقها, التقطها.. وهمّ بالخروج وهو
يجز على أسنانه, بدت له الحقيبة من خفتها فارغة, فخشي أن تكون كذلك, ربما عليه التأكد
من عدم وجود حقيبة أخرى غيرها, عاد يبحث ببصره عن حقيبة أخرى بجوار المكتب وهو لايزال
يكتم أنفاسه, لابد أن تنتهي هذه المهمة بأقل خسائر وأقل تفاصيل عن هذا المكان, وبالفعل
وجد تحت المكتب حقيبتين, هل يحضر الحقائب الثلاث؟, هو لن يغامر بفتحها ليعرف أي واحدة
منها المقصودة, وضع الحقائب على سطح المكتب وهو يزن كل واحدة بيده, كلها بدت متقاربة
في الوزن!, انتهى الهواء من رئتيه.. هو بحاجة ليستنشق نفسا واحدا على الأقل وإلا سيختنق,
لن يطول الأمر به في هذا المكان, وبالفعل أطلق لرئتيه العنان واستنشق نفسا واحدا, نفسا
واحدا تسللت معه رائحة الماضي وذكرياته, لم يدخل الهواء إلى رئته بقدر ما دخل إلى عقله
وحجرات الذكريات فيه جميعها, ظل كاتما أنفاسه بعدها بيأس وألم, لكنه عجز, فآلمه موقفه
هذا حتى كاد يترنح, ثمة غمامة من الدمع قررت أن ترثى لحاله رغما عنه, أين سيبكي هنا؟
في غرفتها؟ رفع رأسه بيأس ليقاوم غمامة الدمع قبل أن تتضاعف, فوقع نظره على بياض شاخص
أمامه في أحد الزوايا, فاعتصر عينه ليبدد غمامة الدمع فإذا به أمام فستان زفافها, إنه
آخر ما كان يتوقع رؤيته في هذه الحياة, وبدون أية مقدمات.. انفجر باكيا, فلكل طاقة
حد, ولكل احتمال نهاية, إنه ابتلاء فوق ما تحتمل طاقته وعقله وخياله وكيانه..
لم يعاود النظر إلى الفستان ولم يرد أن يعرف تفاصيله,
فقط.. كان يحاول مقاومة الانهيار فحسب, فقط وجد نفسه يصرخ ذاهلا: رحماك بي يا رحمن,
رباااه إني أبتلى بما لا أطيق فارحمني يا رحيم!.
ولم يزل يذرف دموعه وهو مغمض العينين
يناجي ربه حتى سكن, وتسللت إليه شيء من
السكينة فهدأت نفسه وأعادت إليه توازنه, فمسح دموعه التي سالت على خده وتقاطرت على
ثوبه بل طالت حتى الأوراق التي على المكتب, وحين هم بالخروج لفت نظره عبارة مدون على
رأس ورقة من الأوراق المتناثرة على سطح مكتبها, فتجمد مكانه, وسيطر عليه ذلك الفضول
الذي عزم ألا يمكنه من نفسه, إنه اللقب المضحك التي كانت تلقبه به وهي صغيرة, وكم أحبه
لأنه منها, وقد ظن أنها مع الوقت نسيت اللقب وصاحبه, ويبدو أن ظنه خاطئ فها هو ذا على
رأس أوراقها الخاصة يتراقص!
قرأ العبارة كاملة وطار صوابه, إنها
تسأله كما لو كانت حاضرة أمامه وترى مكانه: إلى أين ستذهب أيها العملاق الملثم؟
حررت 1 شعبان 1436هـ بقلم
حفصة اسكندراني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق