الخميس، 3 نوفمبر 2016

توابيت العالم الافتراضي!!..



في مواقع الانترنت المختلفة وفي وسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص.. من يعبأ بوجودك من عدمه؟، ومن يترقب تتابع منشوراتك ليستدل بها على تتابع أنفاسك وأنك بخير؟، من سيلحظ غيابك فور اختفاءك, ليس لأنه اكتشف ذلك صدفة أو من باب الفضول؛ وإنما لأنه حقا يتحسس نبض قلبك في هذا الحياة؟!!.
نعم قد يلحظ اختفاءك عن عالم (النت) عدد لا بأس به من المتابعين، ممن يسمون مجازا  بالأصدقاء، لكن ترى كم عدد الذين سيقلقون عليك قلقا حقيقيا يشغلهم ويؤرق صفوهم؟؟ وإن فعلوا.. كم منهم الذين سيتخذون الخطوة التالية فيسألون عنك حتى يصلون إليك؟، عشرة؟؟, خمسة؟؟, أكثر؟, أقل؟, وربما لا أحد؟!! نعم البعض منا ربما لن يفتقده أحد, فإن حظيت بأحد يفتقدك بصدق ويقلق عليك رغم أن منشأ علاقتك به كان عبر هذه المواقع = فأنت محظوظ به!، وهذا لا ينفي أبدا أن واقعنا في هذا العالم الافتراضي مؤسف جدا؛ وكأننا نرقد فيه مسبقا في توابيت جاهزة؛ نصدر حركة لنقول: أننا أحياء.. أننا نكتب.. أننا نتنفس!، فسكوننا ببساطة يعني = الموت!، لكن وضعية التموقع داخل هذه التوابيت لا تحتاج إلى إعلان موت أو إعلان اختفاء!.. إنها جاهزة لتحكي ذلك دون إحداث ضجة، فقط بعض السكون سيفي بالغرض, والواقع يشهد بذلك, فظروف الحياة المتقلبة قد تبتلع أحدنا بمرض طويل أو مصاب جلل، فتشغله عن دخول تلك المواقع والتطبيقات للأبد، فيموت فيها بينما هو لا يزال حيا يرزق في مكان ما من أرض الله الواسعة!!
وفي عالم الانترنت وفي وسائل التواصل الاجتماعي خاصة = لن تصل إلى علاقة انسانية مثالية - منشأها هذا العالم الافتراضي - وتنجح في ارضاء كرامتك!!؛ فأنت حين تتألم لن يشعر بألمك أحد، ولن ير اصفرار وجهك أحد، ولن يلحظ حزنك أحد، حتى انهمار دمعك - وإن سال أنهارا - لن يبصره أحد!!, فلابد أن تصرخ وتعلن: (أنا أتألم!.. أنا حزين!.. أنا ضائع!.. أنا محبط!.. أنا وحيد!) لتحظى بالتفاعل والمواساة المشوبة بالإحسان، والشفقة المقيتة التي لن ترو غرورك ولن ترض كرامتك.
قد يسعنا أن نتكيف بعض الشيء مع هذا النوع من العلاقات فنعلن أننا نتألم.. أننا نبكي.. أننا بحاجة للمواساة!؛ لكننا عند الألم الحقيقي والخوف الحقيقي والضياع الحقيقي سنتوقف عن كتابة مثل هذه التفاهات، رغم أن الوجع وقتها سيكون أكبر، والحاجة لمن يواسي أكثر وأعمق, فهذه هي طبيعة (توابيت العالم الافتراضي) التي وضعنا أنفسنا فيها عن غفلة منا أو عن قصد وتغافل.
وأكاد أجزم أنه سيأتي اليوم الذي سيسجل البعض منا انسحابا من هذه المهزلة الهلامية الكبرى ليعود للواقع، وحين يحدث ذلك أرجو أن يكون سكان الواقع مازالوا على طبيعتهم الاجتماعية ولم يتحولوا الى آلات بعد، فنحن بحاجة لمن يحتوينا دون أن نصرخ، ويجفف دمعنا دون أن ننخرط في البكاء فعليا، ويمرر يد العطف على أكتافنا دون استعطاف واستجداء منا، ويمسح مواضع الألم فينا دون أن نرجوه ليفعل.

حفصة اسكندراني

الخميس، 28 يوليو 2016

أنا وأنت .. وقبو الذكريات!

أنا وأنت .. وقبو الذكريات!
📂⚰📂⚰📂⚰📂

أمتلك قبوا في ذاكرتي للنسيان.. فيه تجتمع ملفات النسيان التي تُحذف من الذاكرة مع التقادم، لكنها قابلةٌ للاستعادة.. ليس في حالاتِ تذكرٍ اعتياديةٍ؛ وإنما أستعيدها عادةً بعد حدثٍ مفاجئٍ يشبه أحداثَ تلك الذكرى، أو عقب هزةٍ أرضيةٍ عنيفةٍ بفعل فاعل تصيب قبو ذكرياتي ذاك!
وحين يحدث ذلك؛ تخرج الذكرى منه كمومياء مكفنة يعلوها الغبار، حتى أنا أخشى الاقتراب منها وأرتعب، لكنها تصر على الاقتراب مني بينما شرائط الكفن البيضاء المغبّرة تتساقط عنها الواحدة تلو الأخرى كاشفة ملامح وجهها، فإما أن أتعرف إليها فأسرع نحو الشرائط لأزيلها، وأنفض عنها ذاك الغبار، وأصطحبها معي خارج القبو الموحش، وإما أن أنكرها وأتراجع عنها مستوحشة لأنزوي في الزاوية البعيدة أرقبها من عليٍّ وهي تتخبط هنا وهناك.. تبحث عني كيما أساعدها، فإذا حانت لي فرصة للهرب تسللت وحدي من القبو خلسة وأغلقته خلفي بإحكام، ولربما وضعت فوق بابه صخرة لكي تيأس من الخروج فتضطرها الوحدة للرجوع إلى مكانها، فتعود لوضعية الأموات من جديد.

وفي قبو الذكريات المنسية هذا ثمة خزانة خصصتها للذكريات التي أتعمد نسيانها مع سبق الإصرار والترصد، وعلى رفوفها وفي أدراجها أودعتُ الكثير من الذكريات التي أقنعت عقلي اللاواعي بأني نسيتها، بينما عقلي الواعي يدرك كم أنا كاذبة!

و كلما نزلت إلى القبو أتلمس غرضا اختلست النظر إليها من بعيد، ثم غضضت الطرف وتشاغلت عنها حتى لا يجذبني الحنين إليها فأضيع.

باختصار يا سيدي هذا قبوي الذي أعرف، لكن مؤخرا اختلف الوضع فيه قليلا..
 ففي ذلك القبو.. هناك أنا المنسية، وأنا التي أتعمد نسيانها، وهناك أنت..

نعم هناك أنت أيضا تحتل الأدراج والأرفف، بل وتفرض وجودك على سائر مساحات القبو!، فأرى وجهك ماثلا أمامي حين أنزل قبو الذكريات، وحين أغلق القبو وأضع عليه تلك الصخرة الثقيلة وأنصرف أيضا أراك!!.
فلا القبو قادر على احتواءك ولا الصخرة قادرة على احتجازك!

نعم رحلتَ بقسوة وتركتني، وأجزم أنك الآن نسيتني.. لكن ذكرياتك يا سيدي قد استوطنتني، وطيفك الباغي أعلنه احتلال!

أعترف.. حاولتُ تحجيمك بعد رحيلك بكل الوسائل, وأعترف أن القبو كان مشروعا فاشلا لاحتوائك؛ فأنا أراك يا سيدي تتوسط مسرح ذكرياتي بطلا، وأراك في جميع الشرفات جمهورا.. وخلف الكواليس مخرجا ومؤلفا..

لا بأس.. سأشاهد مسرحياتك حتى يمل طيفك المحتل.. فحتما ستنتهي كل السناريوهات، وحتما سيخبو بريق عينيك، وستتصاغر قامتك، ويدب الوهن بين جنبيك، حتى تدفعك الأيام وحدها إلى قبو الذكريات دفعا، حينها سأقنع العقل الواعي هو الآخر بأن ينساك، وحين تدب الحياة يوما في مومياء طيفك سأطلق رصاصة قاتلة نحوها لأبيدها للأبد.

بقلم/حفصة اسكندراني

السبت، 18 يونيو 2016

كان بيننا لكنه توفي بالأمس!!..


 كان بيننا لكنه توفي بالأمس!، توفي في شهر رمضان المبارك، وقد كان مثلي ومثلك يؤمل أن يتمه!، ولديه خطط للعيد، وما بعد العيد، بل لديه طموحات بذل جهدا لتحقيقها وهاهي ثمارها قد دنت واستوت استعداد للقطاف!.
لقد توفي بالأمس.. هكذا قالوا، وأرفقوا الخبر برابط حسابه على تويتر!!.
لم أكن أعرفه ولم أسمع به حتى قالوا توفي رحمه الله، ولقد شدني الفضول لأتصفح حسابه الشخصي!، وليتني ما فعلت!، فلقد أرهقني وأحزنني التنقل في بستان فكره العامر بالعطاء.
حسابه في تويتر ينبض بالحياة للحد الذي يشعرك أن تغريدة جديدة ستنشر الآن، وأن فكرة ما ستكتمل الآن الآن، وأن جدالا راقيا سيدور حول السياسة والدفاع عن حقوق المسلمين في هذه اللحظة!!.
لا شيء يوحي في الحساب بأن صاحبه قد مات، فهنا وهناك أنصاف أفكار وحوارات لم تكتمل بعد!.
لم يتسنى لأهله أن يكتبوا: (لقد توفي صاحب هذا الحساب) بعد، ربما شغلوا بمراسم العزاء!.
وأنا وأنت لم يكتب في حساباتنا: (لقد توفي صاحب هذا الحساب) بعد، ونكاد لا نتخيل حدوث ذلك أصلا، هذا لأننا لاهون بما بقي من أعمارنا ونظن أننا باقون، وأن في العمر الكثير.. حتى شغلنا طول الأمل!
لا أدري لم استفزني قلمي للكتابة عن إنسان لا أعرفه، لكن حسابه يؤنسك فيشعرك أنك حقا كنت تعرفه وتعجبك حروفه وتغريداته وتتابعه منذ زمن!
لا شيء في حسابه بتويتر يوحي لك بأنه توقف أو أن صاحب الحساب حقا مات - كما يقولون - سوى تغريدة واحدة كان يغرد بها كل جمعة ومعها صورة أخاذة للطبيعة، تغريدة يذكر الناس فيها بأهمية الصلاة على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه التغريدة الدورية لم تنشر أمس الجمعة على غير العادة!! لماذا؟
لأن صاحب الحساب بالفعل قد مات!!.
 ما أسرع تقلب الأحوال وانتهاء الآجال، لقد بتنا نألف سماع النهايات: فلان مات، وفلان انتهى!!.. السليم قبل المريض!، والصغير المفعم بالحيوية قبل الكهل الكبير!، وطيب الذكر قبل الطاغية الظالم الذي يتمنى الناس موته!!، فعجبا لتصاريف القدر!
حتى أحداث عالمنا السياسية وقضايا أمتنا التي نحترق لأجلها ونترقب نهاية لمآسيها = يبدو أن أعمارنا أقصر بكثير من أن تستوعبها!!
نتفاعل مع الكثير من الأحداث وننفعل، بينما موقعنا منها ليس أكثر من شاهد عاين زاوية واحدة من حدث ما، وقد كان يظن نفسه فاعلا، لكن أجله باغته فجأة فخرج من الحياة دون أن يشهد بقية احداث القضية التي كانت تشغله!!
 وهكذا تمضي الحياة بين فاقد ومفقود، وشاهد ومشهود، بل إن حسابتنا على وسائل التواصل الاجتماعي تلك التي نقضي أوقاتا لنجمل ما ننشره فيها لكي نصل بها إلى القلوب؛  هي ذاتها التي ستكون خنجرا يؤذي قلوب أحبتنا بعد وفاتنا!، فهم حتما سيقرأونها حرفا حرفا، وسيستجدون خط النشر كي يجود لهم بالمزيد!.. سيطالعونها كل صباح على أمل أن يعود ضخ الدماء إلى عروقها ثانية!.
للأسف ستظل حساباتنا تشغلنا مادمنا أحياء،وتشقي أحبتنا إذا صرنا أمواتا!!، لكن الأصعب تصورا والأشد إيلاما أن تكون حساباتنا التي نأنس بها في الدنيا هي هي سبب شقائنا  بعد موتنا لا سمح الله.
فرحم الله الدكتور علي العبيدي @DrAliabeedi وأبدله حياة أفضل من حياته، وجعله من أهل النعيم هو وكل فقيد فقدناه، وكل مسلم رحل عن الحياة عرفنا به أم لم نعرف..
اللهم أرحم موتانا وموتى المسلمين اللهم أحسن وفادتهم، وتغمدهم برحمتك، ونور قبورهم، وصبر قلوب محبيهم، وارحمنا برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



الخميس، 12 مايو 2016

انْهضْ عنْ فرَاشِ مرِضِكَ وقُلْ: إنّي أَرى الفَجْرَ آتٍ!

انْهضْ عنْ فرَاشِ مرِضِكَ وقُلْ: إنّي أرى الفجر آتٍ رغم جراحي, رغم ضعفي, رغم آلام روحي, وأنّات كل خليّة في جسدي!.
قل: إني أراه من هنا.. من فراشي الحزين الذي تناثرتْ حوله أقراص الدواء, وحولها تبعثرتْ حفنة من توقعات الأطباء المتشائمة, والقليل من توقعاتهم المتفائلة.
إني أرى الفجر آتٍ من حيث أقف في قلب الظلام الموحش الذي لم يزل يحاول اغتيال روحي, ونهش ما تبقى من العافية في جسدي.
إني أبصر الفجر حقا في الأفق البعيد يلوح لي ويستجديني كي أسمح له بالبزوغ!, نعم يستجديني لكي أسمح له بالفكاك من قيوده!!, إنه فجر لا يشبه الفجر الذي ألفناه كل صباح, إنه فجر يبزغ عليك إذا ازددتَ يأسا ووُغولا في مستنقعات البلاء, وكلما أحسنتَ تصويب سهام الدعاء فأسمعتَ حاجتك السماء = كلما ازداد فجرك اقترابا, وكلما رفعتَ رأسك مبتسما متفائلا تتجاهل واقعك البئيس = كلما زحف الفجر نحوك ودنى, وكلما زينتَ لوحة الأفق التي تفصل بينك وبين فجرك بصور لمبتلين قبلك فرج الله كربهم, وشفى أسقامهم, وألبسهم العافية = كلما أوشك صبحك أن يبتسم, وكلما ملأتَ كل المسافات التي بينك وبين السماء بالاستغفار, والحوقلة, وشكر الله, والتسبيح بحمده = كلما أوشك الظلام حولك بالأفول والذبول.
وحدك من بيدك استجلاب فجرك واستعجاله إذا استعنتَ بربك وآمنت به وبآياته وأحسنت التوكل عليه.
فإن ملأتَ قلبك بالرضا, وروحك بالتفاؤل، وعمرتَ لسانك بالذكر والاستغفار، وشغلتَ أعضاءك بحسن العبادة، وسائر أوقاتك بتلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار= فهل تظن حينها أن ربا أريته حسن الظن به خــــــــــــــــــــاذلك؟؟؟!!!
لا والله لن يخذلك وهو الرحيم الودود مجيب دعوة المضطر, الذي وسعت رحمته كل شيء.
 صدقني ستخرج ـ يا أخي ـ وستخرجين ـ يا أختي ـ بإذن الله من محنة المرض حتما؛ فلكل كرب نهاية وإن طال مكوثه.
 ولكن لم لا نرتقي بطموحنا قليلا؛ فيشغل الواحد منا تفكيره: كيف سأخرج من هذه المحنة رابحا؟؟ بدل أن يخرجه الله منها خاسرا ـ لا سمح الله ـ , فثمة أناس فشلوا في الاختبار بامتياز, ومع ذلك شفاهم الله وعافاهم وزادهم قوة ليزدادوا طغيانا وفُجرا, فهل يسرك أن تكون منهم ولو حُزتَ كل نعم الدنيا؟, كلا والله.. نسأل الله السلامة لنا ولكم وللمسلمين من كل بلاء.

حفصة اسكندراني
المملكة العربية السعودية

حرر 2 شعبان 1437هـ

الثلاثاء، 3 مايو 2016

حين ابتهجتْ جارتي بقربه! (قصة حقيقية)

كنتُ في زيارة جارة لي تعرفتُ عليها حين سكنتُ مدينة الطائف مطلع هذا العام، ولم يكن تعرفي عليها قد تم في ظروف اعتيادية؛ بل كانت قصة عجيبة؛ فمنذ خمسة أشهر تقريبا سمعتُ ذات ليلةـ صوت بكاء امرأة يتسلل عبر نافذة غرفة نومي، كانت تتحدث بلغة غريبة, وتبكي بكاء مريرا، لم أستطع تجاهله وقد أرق مضجعي وأزال النوم من جفني، فأخبرت زوجي برغبتي في تلمس الطريق إلى منزلها لأستطلع أمرها؟, فحذرني؛ فنحن لا ندري طبيعة ما يحدث؟ وهل ورائها رجل؟ وهل هو من يؤذيها؟ ومن يكونان؟، فأذعنت لرأيه حتى غفوتُ متلفعة بقلقي وانزعاجي.

وفي الصباح حين خلا علي المنزل سمعتُ بكاءها ثانية وبنحيب مرير يقطع القلب ويدميه، فحسمتُ أمري ونزلتُ إليها (حيث أن الصوت ينبعث من الأسفل) وأنا متوجسة، واحترتُ أي باب أطرق؟، وحين فُتح الباب الذي خمنتُ أنه هو؛ ظهرتْ فتاة سمراء في الثامنة من عمرها تقريبا وخلفها أمها الشابة تحمل رضيعة وعليهم آثار بكاء وفزع، فعلمتُ أنني وصلتُ إلى حيث أريد. فأخبرتهم أني جارتهم الجديدة, فأدخلوني بتوجس ظاهر وهم لا يعلمون أنني أبطن أضعافه، فها أنا أدخل بيتا لا أعرف أهله دون أن أترك خبرا ورائي, لكن حجم المأساة التي تقطر من نحيب المرأة كان كفيلا بإقناعي أن ثمة انسان يحتاج لمن يسانده في الحال.!.

 تحدثت مع الأم بلطف أسأل عن الحال فإذا بها لا تتحدث العربية!، فالتقطت ابنتها الحديث بالفصحى وترجمت الحديث بيننا، ومنذ ذلك الحين وهذه الفتاة الصغيرة تتولى ترجمة حواراتنا بتمكن رغم صغر سنها.

أخبرتهما أنني جئت لأني أسمع صوت بكاء امرأة من منزلي, فماذا حدث؟, فانفجرت المرأة باكية بذات الحرقة التي كانت تتسلق نافذتي, فانقبضتُ.

قالت الصغيرة: لقد قبضت الشرطة على أبي وأودعوه السجن, وليس لنا أحد هنا نعرفه ويعرفنا, ولا نعرف ماذا نفعل أنا وأمي وأختي الرضيعة وأخي هذا (3سنوات)؟!
ومنذ ذلك اليوم وهذه الأسرة المكلومة في دوامة هذا الابتلاء المرير تعاني ليل نهار, ولايزال والدهم الذي يعمل في ورشة لإصلاح السيارات في انتظار حسم أمره, حيث قبض عليه يحاول فك اشتباك بين متخاصمين, وربما ناله نصيب منهما, وأيا ما كانت التفاصيل فالمحصلة أن وراء هذا الرجل البسيط أسرة ضائعة, وزوجة ضعيفة جبانةلم تخرج من منزلها منذ قبض عليه حتى هذه اللحظة, ولم تر الشارع ولم تكتحل عينها برؤية قرص الشمس الذي نراه كل صباح لأنها تسكن في (بدروم) المبنى, وأظنها ستحتاج هي وصغارها لتأهيل وعلاج نفسي حتى يتمكنوا من العودة للاختلاط بالناس والخروج من سجنهم الاختياري في حال عاد إليهم أبوهم.
ومرت الأيام وكلما تحدثت معهم أو هاتفتهم قالت لي الصغيرة: أرجوك صلي كثيرا لأبي حتى يخرج! (تقصد: أدعي له), فلا تزال العبارة تتردد في مسمعي بكل انكسار ورجاء وألم تحمله.. فرج الله كربهم وكرب كل مسلم.

الشاهد من قصتي أنني أثناء زيارتي لهذه الجارة بالأمس, سألتهم عن حال أبيهم, وكالعادة لا جديد في قضيته, فلايزال ينتظر المحاكمة. ورغم مرور أيام طوال على بداية حزنهم عليه إلا أن سؤالي هذا كفيل بإعادة الحزن إلى محياهم, فتتلاشى البسمة التي تعبر عن ابتهاجهم برؤية كائنات بشرية مشابهة لهم, ويحل محلها الألم والانكسار, لكن الجميل أن الله قد قيض لهم بمنه وكرمه قلوبا ترق لحالهم فتتسابق لسد حاجتهم ومتابعة أحوالهم.. أسأل الله أن يبارك فيهم ويضاعف أجورنا وأجورهم.

قلت في نفسي:لأبث فيهم روح الاستبشار, فقلت للمرأة التي تنهدت بعمق: لا تيأسي من روح الله فلعل فرجا قريبا يلحقكم فتجدونه بينكم قبل شهر رمضان المبارك! فتهلل وجه المرأة وقالت: آميين.
ثم قالت لي الفتاة مترجمة حديث أمها: أنا أصلي له كل يوم, وأستيقظ في الثالثة قبل الفجر لأجل ذلك.

فقلت لها وقد علمت أنها حتما تعلم بأفضلية هذا الوقت: أحسنت! إنه الوقت الذي ينزل فيه الله إلى السماء القريبة منا ليسأل هل من داع فأستجيب له؟.
والله ما أتمت الصغيرة الترجمة حتى هللت الأم وكبرت مبتهجة, فقلت في نفسي: عجبا أولم تكن تدري؟!

ثم انشغلت مع الابنة في حديث آخر, وفجأة وجدت المرأة تهذي بشيء وتبكي وهي تحدق في زاوية السقف مبتسمة, فسألت ابنتها ما بها؟ وأنا والله خائفة أن تقول لي: ولم إذن لم يستجب الله دعائي وهو ينزل إلى السماء الدنيا ويسمع دعائي وبكائي كل يوم؟ حينها سأضطر لأشرح لها أن الله لا يضيع دعاء ندعوه, فهو إما يدخره أو يدفع به بلاء أو يستجيبه, وسأشرح لها أن الله حكيم, وأنه رحيم و... و... الخ وسأضطر للكثير من الشرح والايضاح, ولا أضمن أن أخرج بها سالمة من الوقوع في شُبه هذه المسألة.

لكن الصغيرة أجابتني وقد بددت هواجسي قائلة: إنها فرحة.. تشكر الله لأنه ينزل إلى السماء القريبة منا كل ليلة!!

إجابة الفتاة جعلتني أحدق فيها بتعجب وقد فرت الدماء من وجهي, ذهلت, ظللت للحظات أغوص في عمق أفكاري خارج نطاق المكان..

 لقد تجاوزت المرأة في ثانية واحدة كل المساحات المشكلة في هذه المعلومة الجديدة لترقى إلى ما هو أعلى وأعمق مما أتصور! إنها تشكر الله لأنه ينزل إلى السماء الدنيا!.. استشعرتْ نعمة قربه فاستعبرتْ, ثم راحت تشكره! فعجبا..

ترى كم منا شكر الله لأنه ينزل الى السماء الدنيا بغض النظر عن كونه تبارك وتعالى استجاب دعاءه أم لا؟
ترى من منا توقف ليتعامل مع هذه المعلومة بالشكر والابتهاج الذي رأيته على وجه هذه المرأة المنكوبة؟
السواد الأعظم منا يشكر الله على استجابته للدعاء, لكنها تشكر الله لأنه يقترب منها فحسب!..

كم يفوتنا ادراك لفتات رقيقة كهذه في غمرة الحياة!, للأسف لقد أخذنا الكثير من معلوماتنا الدينية كمسلمات, لم نتعامل معها بحرارة, ولم نستقبلها بالشفافية والرقة التي استقبلتها بها هذه المرأة رغم أنه لـمّا يستجاب دعاؤها بعد.. فكيف بها إذا استجاب الله دعائها؟.
لقد وافقت في صلاتها ـ دون أن تدري ـ وقتا فاضلا كهذا.. ترى كم متعلم مثقف صاحب علم شرعي, يشار إليه بالبنان.. وهو يحفظ هذا الحديث القدسي بنصه وربما بتخريجه, لكنه مع ذلك لا يصفّ قدميه في هذه الساعة المباركة ليرفع يده إلى خالقه فيقول: أنا يا رب لي حاجة فاستجب دعائي!!. 

انتهت زيارتي لجارتي.. ولاتزال أحداث الموقف وصورة المرأة حاضرة أمامي ناظري, حتى أخجلتني, لقد ذهبتُ اليها وأنا أنوي أن أغرف لها من وعائي شيئا من النصيحة لتتصبر بها, فإذا بها هي من تعبئ وعائي بشيء من الرقائق والحكمة! هكذا هي الابتلاءات.. ترتقي بمن شاء الله له الارتقاء, فتأخذه إلى مراتب عليا من الايمان واليقين والاحسان, حتى أن المتأمل ليستيقن أن الابتلاء الذي يصيب المؤمن حقا كله خير.

فاللهم فرج هم هذه الأسرة بمنك وكرمك ورحمتك, واجز كل من سعى في خدمتهم ببركة يلقاها في حياته وبعد مماته واغفر له ولوالديه, اللهم وفرج هموم عبادك المسلمين المستضعفين في سوريا وفي اليمن وفي كل مكان, اللهم لا تخيب رجاء عبد دعاك وما له أحد سواك, اللهم اربط على قلوبهم, وبصرهم بلطائف حكمتك, برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصل الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله.


بنت اسكندراني

الأربعاء، 20 أبريل 2016

دوّن يا سيدي تاريخ هذا اليوم.. واحفظ الشهر !

كتبتْ إليه بعدما أنهكها بلامبالاته وعدم اهتمامه:

دوّن يا سيدي تاريخ هذا اليوم.. واحفظ الشهر !

أرّخ نضوب منابعي.. وأرّخ الهجر ! 

أكتب في دفاترك: أن رفيقتي قد ملّت الصد ! 

ملّت من ملاحقتها لي, وملّت من الصمت المحيط بي

وملت من حروفي التي لا تعرف كيف تدفئُ القلب وكيف تسعد الثغر..

أرّخ يا سيدي أنّي انزويتُ.. أنّي انتهيتُ.. وأنّي لن أكمل السير..

أرّخ انصرافي عنك من بعد اقبال.. واهمالي لك بعد ترصد وإصرار !

كن شاهدا أن الودّ النقي قد يُنهك الصدر.. 

وأن الاهتمام بمن لا يراك شيئا لن يخلق الودّ..

وأن الصدود تلو الصدود حتما يولد الكره.. 

فقساة القلوب لم يولودوا هكذا فثمة من ألقموهم في صغرهم حجرا..

لا يمسك نهر العطايا عن أرض إلا إذا أمسكت السماء عنه الزاد والمطر.. 

وترى السحاب يجود لطالما لم تقطع بحار الأرض عنه القطر.. 

هي دورة عطاءٍ إن بخلتَ بعطاءك فعطاء الآخر لك قد نضبَ..

سنبدأ عهدا جديدا يا سيدي.. فأرّخ نضوب منابعي.. وأرّخ الهجر ! 

سأعتقك من مجاملتي وأريحك من مداهنتي.. وأترك لك الرطب واليَبَس !

سأطوي أسطرا جمعت كلانا في كتابٍ وسأصنع من الكتاب نسخة !

سأمنح لك ما نسختُ, وأبقي لي الأصل!

سأُودِع كتابي في فؤادي لأؤنسه ويؤنسني.. ولك يا سيدي أن..... تحرق النسخة !.


انتهى.


:) أعلم أنه ليس شعرا, ولا نثرا خالصا, ولا أعرف ـ حقيقةً ـ ما هو؟ لكن هكذا أملاه علي قلمي المبحر في خياله.

الثلاثاء، 19 أبريل 2016

واكتملت أوراق البازل.. قصة طويلة بقلمي: حفصة اسكندراني ج6


أحداث الجزء الأول من هنا
وأحداث الجزء الثاني من هنا
وأحداث الجزء الثالث من هنا
أحداث الجزء الرابع من هنا
أحداث الجزء الخامس من هنا


باغتها.. بل باغت نفسه بسؤالها:
ما بها ابنة خالتي.. تقولين أنها مريضة؟..
فأجابته: ألم أخبرك من قبل؟؟
وكانت المفاجأة..
مسكينة وفاء.. إنها تذبل وتذبل, ولا أحد يعرف ما بها, لقد ظننا أنها أصيبت بمرض ما وقضت أياما في المشفى, لكن الأطباء لم يشخصوا مرضها, فأخرجوها من المشفى وعادت إلى المنزل وحالتها تزداد سواء وانطواء, وقد تأكد لنا أنها إما مسحورة أو معيونة, فلقد رفضت اتمام عرسها, وأشعلت النار في فستان زفافها, وألقت بمشترياتها وتجهيزات عرسها وكأنها أصيبت بالجنون, وانقطعت كذلك عن وسائل التواصل الاجتماعي فلم نعد نرى لها خاطرة منذ ذلك اليوم, ومسكينة خالتي منذ ذلك الوقت وهي تحضر لها مشايخ, وتذهب بها إلى أطباء لعلها تتعافى وتعود الى طبيعتها, ورغم أنها تحسنت إلا أنها لا تخرج لملاقاة أحد أبدا, وقد انقطعت عن دراستها, وخالتي المسكينة أصبحت تخشى تركها وحدها, لذا اعتذرت عن أشياء كثيرة في حياتها ومنها المجيء إلينا.
على الطرف الآخر كانت أصابعه تقبض على الهاتف بشدة حتى ابيضت مفاصلها..
سيل المفاجئات كان فوق احتماله وتخيله.. إنها لم تتزوج إذن؟ إنها لا تنتظر طفلا؟ إنها لم تزف لغيره؟ لم تَصْدُقْ إذن فيما كتبتْ! ولم تكمل مشوارها الذي قررت ان تخوضه باستسلام!.. لن تحكي لحفيداتها وبناتها أنها أحبت رجلا ثم ارتبطت بآخر!.. ثمة أمل خجول يلوح له في الأفق رغم تراكم السحب والضباب.. حتى أنه لم يستطع أن يكمل المكالمة.. فأغلق الهاتف ومازال صوت شقيقته ينساب عبر الأثير..
اتصلت أخته.. لم يرد عليها, بل بالأحرى هو لم يسمع جرس الهاتف فالأصوات داخله كانت أعلى من أي صوت..
هل صحيح أنها مرضت مرضا لم يشخصه الأطباء؟
أم أنها أصيبت بعين أو سحر بالفعل.. فالعين حق!
أيا كان ما أصابها.. لا يهم, سيعود لأجلها, سيسخر حياته لعلاجها, وحين تتعافى سيعيشان أجمل حياة..
ترى هل يمكن للأحلام أن تتحقق؟
بكى.. بكى من أعماق أعماقه.. ثم ضحك.. ثم قام ورقص, الصدمة جعلته مضطربا لا يعرف ماذا يفعل؟.
انقطاعها عن مدونتها وعن كافة وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت متألقة فيها لم يكن بسبب انشغالها بالزواج إذن, ولم يكن بأمر من زوجها الغيور كما تخيل, بل كانت مريضة لا يُعلم ما بها!!
مر أسبوع واحد بعد تلك المكالمة.. لم يتردد كثيرا في تحديد هدفه, لقد اعتذر عن استكمال دراسته, وأنهى جميع أوراقه وسلم سكنه, وها هو يحمل كل آماله معه في مقعد الطائرة عائدا إلى وطنه.
العودة الى الوطن لها مذاقها الذي لا يشبهه شيء.. كان فرحا بعودته فرحا جما,
كما صبي انتزعوه من حضن أمه ليذهب إلى المدرسة, هو يعلم أن المدرسة ستجعل منه رجلا قويا, لكنه في نفس الوقت لا يرى مبررا لفراق منبع دفئه الوحيد في هذه الحياة, وطوال يومه لم يهنأ بمدرسته الجميلة ولا بحقيبته ودفاتره وأقلامه الجديدة التي كان بالأمس فقط فرحا بها, صوتها.. صورتها.. بل رائحتها.. ودفء حضنها وملمس بشرتها.. أحلام سيطرت على خياله طوال وقته, هو يخشى ألا يعود إلى حيث الأمان.. إنه يخشى الضياع والحرمان, وبينا هو يعالج يأسه وبؤسه ويمسح دموعا اغترفها من بحر عينه؛ إذ بسائقه شاخصا أمامه قد أتى ليصطحبه إلى منزله.. إلى أمه.. إلى حيث الأمان, إلى حيث الدفء, إلى حيث حياة الدلال والدعة والحب.. فإذا به يقفز على سائقه قفزة الضائع من أهله أو العائد إلى الحياة بعدما عاين الموت, فيضمه ضمة عرفان, ويقبل رأسه وكفيه بامتنان, تماما كما كاد صاحبنا أن يفعل مع كل موظف من بلده رآه في المطار, وكأنهم مسخرون ومبعوثون باختيارهم في مهمة خاصة لنجدته وحده!.
 ومن نافذته في الطائرة لاح له الوطن الحبيب في الأفق فرآه بعين وجدانه قبل أن يبصره بعين رأسه, فتجمد لوهلة, وحدها دموعه التي راحت تشق طريقها أخاديد على خده, وظل عاجزا عن الحركة وعن كل تعبير, فكأن روحه استأذنته فتحررت منه بضع ثوان لأجل أن تحلق في هذا الفضاء الطاهر, لتحتضن تلك الجبال وهذه الوديان وتلك الصحاري الشاسعات, تود لو بمقدورها احتضان كل ذرة تراب فيها.. إنه تراب الوطن الذي لا يقدر بثمن!.
ومنذ هبطت طائرته مر كل شيء كما الأحلام, لم يتوقف به الزمن إلا حين ارتمى في حضن أخته وتعلقت هي برقبته, وقتها أدرك حقيقة واحدة.. كم كان أحمقا بهروبه ذاك! فثمة أدواء لأسقامنا الروحية لا تحتاج منا إلى هروب وغربة ورحيل, دواء نجده في أحضان أحبتنا يضاهي أمصال الغربة المركزة وجرعات جلب النسيان التي نرحل للبحث عنها!
كل شيء في منزل والديه كان يبعث اليه بنظرات عتاب صامتة, وكان على استعداد تام لاستقبال هذا اللوم من الأحياء قبل الجمادات, فحقا هو نادم لفراق بعضه وأصله ومنبته, وحين وقف في غرفته شعر بأن الثمانية أشهر التي قضاها في غربته قد طويت, رغم طولها ومعاناتها وقسوتها.. طويت حتى بدت كالحلم المغلف بالضباب, وبعودته هذه كانت العودة الى الواقع بعد انقشاع ذلك الضباب, فكأن سفره ببساطة كان غفوة, ويقظته عودة لاستئناف الحياة.
بقي أن يخطط من أين يبدأ؟ وكيف السبيل للوصول إلى حبيبته "وفاء".

انتهى الجزء السادس ونستكمل أحداث القصة بمشيئة الله في الأجزاء القادمة
همسة:


الاثنين، 18 أبريل 2016

أيّها الماهِرُ بِالقُرآنِ كُنْ حيًّا حِينَ تَمُوتُ!!



تنتابني موجة من القشعريرة حين أسمع الآيات تنساب بصوته الندي عبر الأثير, وقفاته ونغماته.. طلوعه في المقامات ونزوله, واستفهاماته وجواباته, بل وأنفاسه كلها = تأتيك حيّة مع الآيات, وكأنها بثٌ مباشرٌ له!, وكأنه يتلوها في هذه اللحظة!!.
ومنذ يومين وبعد انتهاء تلاوته في إذاعة القرآن الكريم؛ إذْ بالمذيعِ ينوّه إلى أن صاحب هذه التلاوة توفي فجر اليوم وانتقل من عالمنا إلى عالم الأموات, حتى أنه لم يدفن بعد!!
أي موطن ستخترقه فيك سهام خبر كهذا بعد استماعك واستمتاعك بتلاوته منذ لحظات؟؟
هذا الحي الذي سمعته؛ قد مات منذ قليل!!
أنا لستُ أتحدث عن الموت الذي يباغتُ الأحياء فينا فيصدمنا بخطفهم.. كلا, ففي حياة كلٍ منا عزيز اختطفه الموت وأوجعه فيه حد الانهاك, لكني أتحدث عن ميّتٍ وفي أثناء غسله وتكفينه والصلاة عليه كانت وسائل التواصل الاجتماعي تصدح بصوته هو.. وبتلاوته هو, واستمر ذلك أثناء دفنه, بل وفي ذلك الوقت الذي آتاه فيه الملكان للسؤال!!.
فهل التقطتَ هذا الشعور العجيب الذي شعرتُ به حين سَرَت الركبان لدفن الشيخ محمد أيوب (غرِّيدُ المسجد النبوي الشريف) بينما العالم كله في ذات اللحظة يستمع إلى صوته؟!
هل سرتْ في جسدك ذات القشعريرة التي تصيبني كلما تخيلتُ الهوة السحيقة التي فصلتْ بين الصوت وصاحبه؟؟
عالمان متباعدان.. عالم للأحياء فوق الأرض, وعالم لأحياءَ سجناء تحت الأرض, نعم أحياء سجناء تحت الأرض!.. أليست الحياة هناك تبدو هكذا؟!
لازال صوت الشيخ محمد أيوب بالمقام الحجازي المحبب إلى قلبي ينساب إلى مسامع الدنيا ولا يتوقف..
ما معنى الموت إذن إن كان الرجل يحيا بيننا ويصدح بخير كلام على وجه البسيطة؟
ليس هناك منصة تبث القرآن على وجه الأرض ـ تقليدية كانت أو حديثة ـ إلا وتضم صوته البديع ضمن أصوات قرائها, وبالتالي لا يتصور أن صوته الندي لم يدخل إلى السواد الأعظم من بيوت المسلمين الحرصين على أن تصدح بيوتهم بأصوات قراء القرآن الكريم في كل وقت وحين.
فقل لي بربك هل مفهوم الحي والميت لازال هو هو في نظرك؟
نعم هناك قراء كُثُر ماتوا وخلفوا لنا أصواتهم الجميلة تتلو القرآن, وهناك مشايخ خلفوا دروسا ومحاضرات؛ لكن موت الشيخ محمد أيوب وقربنا من الحدث وتفاصيله, ونقل صور الجنازة والعزاء والدفن عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي نقلت أيضا مشاعر الناس من مشارق الأرض ومغاربها بكثافة؛ كل ذلك جعل استشعارنا وتأثرنا بوفاته قد ترك أعمق الأثر في نفوسنا.
إن تعابيري عاجزة حقا عن وصف شعوري, لكني توصلت إلى قناعة, وبها أنادي كل قارئ متقن للقرآن, وكل شاب ماهر حافظ لكتاب الله, أنادي إخوتي ومعارفي ممن يتحقق فيهم الاتقان.. أن سجلوا أصواتكم بآيات القرآن حتى وإن بدت لكم أصواتكم متواضعة وليست جميلة, فليس شرطا أن يكون صوتك رائعا كي تسجله, استمع لأصوات المشايخ في إذاعات القرآن الكريم المختلفة؛ هل كل الأصوات جميلة لافتة؟؟ هل كل تلاوة أثرت في مسامعك وتسللت إلى قلبك وأوصلت لك الآيات ومعانيها؛ كانت بصوت بديع متمكن؟؟!
إلى متى ننشد الكمال الشكلي حتى نعجز عن ما هو أهم؟؟!
فدعك من الصوت وبساطته وسجل القرآن مستحضرا قلبك, عش معانيه واستشعرها, فوالله ما تتلوه وأنت تستشعر معانيه وهداياته؛ لابد وأن ينتقل إلى السامع فيرقق قلبه ويدفعه للتدبر دفعا.
فسجل ـ أيها الماهر بالقرآن ـ آياته بنية احياء صوتك به, فإن كنتَ تدرك أنه لن يصل إلى مستوى أن يبث في الإذاعات؛ فانشره بين أهلك وصحبك وأحبتك, فإن استحييت أن تفعل؛ فدعه وصية بعد مماتك, وقل لورثتك أن ينشروه ويوزعوه في أقاصي الأرض, ولا تعجز عن تحقيق هذا الهدف بالكلية, فكل السبل صارت ميسرة للتسجيل في زماننا هذا, فقط اعزم وتوكل على الله, فلعل الله أن يبارك لك في القليل, وها أنت ترى بنفسك كيف أن الشيخ مات وصوته باق, وقبله من القراء ماتوا وأصواتهم لازالت حية, فماذا تنتظر أيها الماهر بتلاوة كتاب الله؟ ماذا تنتظر يا حافظ القرآن؟ اترك بيدك صدقة جارية عن نفسك, فلعل الله أن يرحمك بها.. ولعل الله أن يتجاوز عن سيئاتك وتقصيرك بآية منها.
فرحم الله شيخنا وقارئنا وغِرِّيدُ مسجد رسولنا , ورزقنا الله وإياكم حسن الخاتمة, وجمعنا وأحبابتنا في مستقر رحمته.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


حفصة اسكندراني

الثلاثاء، 12 أبريل 2016

سألني: زوجتي لا تحب القراءة أبدا.. فماذا أفعل؟!



راسلني أخ فاضل (أحسن الظن بي وإن كنت لا أعرفه) على بريدي قائلا :
اختي الفاضلة أنا موظف ومتزوج منذ أكثر من عشر سنوات, وزوجتي تحمل شهادة المرحلة الثانوية فقط، ومشكلتها أنها لا تحب القراءة أبدا، وكأن بينها وبين القراءة عداوة أبدية، رغم أني حاولت معها بشتى أنواع الطرق.. لكن للأسف كلها فشلت, وعندما بدأت اقرأ مقالاتك في منتدى أهل التفسير حاولت جذبها لتقرأ لك وتتعرف عليك خاصة وأنها تذهب إلى مدارس التحفيظ.. (وهو نفس مجال تخصصكم)، ويعلم الله يا أختي الفاضلة كم أنا شاكر لك، فلقد استفدت من كتاباتك بشكل كبير على الرغم أنني لم اقرأ لك إلا منذ ما يقارب الشهرين, وأنا أريد على الأقل توجيهاتك لي أنا أولا عن ما هي الكتب التي استفدتي منها وزودتك بهذا الأسلوب الجميل في الكتابة؟ وتوجيهاتك لها هي؟

انتهى كلامه..
فكان مني هذا الرد:

حياك الله أخي الكريم.. ووفقك
وأعتذر عن تأخري في الرد لانشغالاتي التي لا تكاد تنتهي حتى تتكاثر وتحتشد!!
 شغلنا الله وإياكم بطاعته، وبعد..
أولا وقبل كل شيء.. تأكد يا أخي الكريم أن الحياة مع امرأة مثقفة (قارئة.. كاتبة أو شاعرة) ليست عيشة سعيدة هانئة على ما تظن, بل قد تكون حياة ضنكا، حياة جافة لا جمال فيها ولا روح!..
فاشمخ فخرا بزوجك حتى وإن كانت لا تحب القراءة.. فما أدراك لو أحبتها وعشقتها حتى أذهلتها وذهبت بلبها.. فاستعذبت مذاق نبيذها وأدمنت احتساءه الكأس تلو الكأس.. ما أدراك لو حدث ذلك أن تزدري حينها زوجها وثقافته؟ وعيشها وبساطته؟ حتى ترى ثقافة زوجها ضحلة لا تتناسب مع طموحاتها، وتعابير حبه سمجة بسيطة لا ترضي ذائقتها.. مهما تشدق بحلو الكلام وحاول أن يزينه لها ويجمله، وقد تصل الزوجة إلى الحد الذي تزدري فيه حياتها مع ذلك الزوج وتزهد رتابتها وبساطتها..
فاحمد الله أيها الزوج على أنعم الله التي أنعم بها عليك, وشجع زوجتك على قراءة وحفظ خير كتاب، ولا تستهن بإقبالها عليه وانشغالها به.. ففيه عزها ورفعتها، ونجاتها وفلاحها، وهو مقوم للسانها، ومنبع أصيل لفكرها وثقافتها، وهو تاج فخر لمن انشغل به، وأبحر في علومه ودقائقه.. فهو كتاب يجذب النفس ويبهرها, ويغذي الروح ويأسرها, ويطلق العقل بالتأمل والتفكر, والتّروي والتّدبر, ويحرّره من أغلال الجهل وزنازين الخرافات.. فيه جوامع الكلم، وجوامع السّير, وجوامع الإعجاز, وجوامع الهدي والأخلاق، وجوامع كل رقيّ وفلاح.
لذا اصرف اهتمام زوجتك إليه بقوة.. ودعك أيها الزوج الفاضل من دفعها للقراءة مادامت لا تقبل عليها بمحض إرادتها, ولا يحركها شوق نابع من أعماقها للاختلاء بكتاب.. فثمة عادات لا نستطيع اكتسابها ولا تنميتها على الوجه الصحيح إلا إذا أشعل جذوتها رغبة داخلية نابعة من أعماق نفوسنا !.
وإني لألفت انتباهك أيها الزوج الفاضل لأن تتأمل في جمال ما تملك هذه المرأة, ودعك مما ينقصها.. فهذا نقص لا أعترف به أنا شخصيا, ولست أرى أن لتمكني من الكتابة (هذا في حال افترضنا جدلا أنني أجيدها بالفعل).. لا أرى في ذلك = ميزة لي على الأميات من الزوجات, فكيف بزوجتك المتعلمة خريجة الثانوية؟؟!!
إن الحياة الزوجية الدافئة الناجحة يا أخي الكريم منظومة أخرى.. لها أسباب نجاح عميقة لا تعرف السطحيات، قد تجدها بين اثنين جاهلين تحت خيمة في صحراء أوثق عرى منها في بيت مثقف يحمل أهله أعلى الشهادات!
فدع القشور لأهلها وانشغل بما حباك الله تحت القشور من هبات.

وحقيقة لقد سعدت يا أخي الكريم برسالتك وباهتمامك بأمر زوجتك.. وهذا إن دل فعلى مودة ومحبة تخفيها لها في صدرك.. وإني لأسأل الله أن يرفع قدركما ويزيد محبتكما.

(انتهى الشاهد الذي أردت نقله من هذه الرسالة بعد تصرف وإعادة للصياغة وتغيير طفيف في معلومات السائل).

بنت اسكندراني
حرر 25 جمادى الآخر 1437ه

الأربعاء، 30 مارس 2016

قالت لي منفعلة: للأسف أنت لا تعرفين الرجال إذن!

قالت لي منفعلة: للأسف أنت لا تعرفين الرجال إذن!
قلت بهدوء: نعم صحيح، كلامك صائب إلى أبعد حد، أنا حقا لا أعرف الذئاب البشرية التي تتحدثين عنها ولم أصادف واحدا.. والسبب أنني محاطة بنخبة رجال هم من أرقى البشر في زماننا هذا.. فلم التقي في حياتي برجل منحط خسيس مستغل جشع مهين للمرأة.. إلا واحدا، وقد كان ذلك منذ زمن، وقد اعتبرته شاذا عن كل الرجال، وأرجعت محاولاته لتحريري من قيود الالتزام = لفكره اللبرالي المتشدد، وباستثناء هذا الرجل لم أعرف غير صور هي غاية في النقاء والروعة..
فهناك أزواج أخواتي، وإخوان وأصدقاء زوجي، وزملائي في الدراسة والعمل، وأصدقاء والدي (رحمه الله)، ومعارفنا.. كلها نماذج راقية تبعث في نفس أي امرأة الشعور بالأمان، حتى يكاد يستقر في نفسها أن هؤلاء الرجال هم بمثابة اخوة لها.. نعم تتفاوت اخوتهم وصدقهم ونقاء قلوبهم، لكنهم يبقون صورا لا تشبه الذئاب بأي حال.
فلا تلومي جهلي بعالم الذئاب البشرية الذي تتحدثين عنه!

قالت بمرارة: ربما لأنك محاطة بأهل القرآن!

فصمتُ طويلا ورحت أتأمل واستعرض أغلب من أعرف.. ثم وجدتني أقول لها:
صدقت والله، ربما هذا السبب إذن!

وباستطراد أضفت:
لكن ثمة سبب آخر يسهم في صنع هذه اللوحة المثالية النقية في عيني.. ألا وهو أن المرأة المتزوجة هي أكثر النساء شعورا بالحرية الآمنة.. ثمة حريات غير آمنة تلقي بصاحبتها في غابة متنوعة المخاطر والأشراك.. غابة يسكنها أصناف من السباع والوحوش، سواء أكانت تمارس حريتها هذه في كنف أب أو أخ أو كانت مطلقة أو أرملة.. وتلحق بهؤلاء المرأة التعيسة في حياتها مع زوج سيء التعامل أو ربما زوج غيور شكاك.

أما المرأة التي تتمتع بالحرية الآمنة؛ تجدينها تنطلق في دراستها الأكاديمية لتحصل أعلى المراتب، وتلك التي تدير تجارة او أعمالا؛ تجدينها تبدع في مجالها ولربما تنافس الرجال حولها بكل جرأة وثقة، وهي دائما ما تحسن التعامل مع أساتذتها ومدرائها وزملاءها في المجال الذي تنخرط فيه.. بل وتشعر بقدر هائل من الحرية والأمان بينهم لأنهم يعاملونها باحترام بالغ وأدب جم.

لكن أتصور أن هذا الاحترام وهذه المثالية لا تستمر لها هكذا على الدوام!!. لأنها إذا قدر الله عليها بأن طلقت أو رملت فستشعر أنها كمن جردت من دروعها في ساحة وغى، وإذ بالرجال الذين عاشت بينهم آمنة مطمئنة تتساقط عن وجوههم أقنعة البراءة والوداعة، الواحد تلو الآخر، لتكتشف المسكينة أن غالبية هؤلاء يمتلكون مخالب الوحوش..

قلة فقط منهم من سيبقون سندا لها، وكتفا قوية تستند عليها في الملمات، تأمن في وجودهم كما تأمن في وجود محارمها، قلة هم من سيبقون على رجولتهم, ونخوتهم, ووفاءهم, واخلاصهم.

ولأني بفضل الله لم أجرب أن أفقد حريتي الآمنة تلك حتى هذه اللحظة؛ لذا فأنا حقا أرفل في جنان الحرية.. فمثلا ها أنت ترينني أطلق قلمي أينما شئت لأكتب عن الأدب وعن الجمال, أحلق في بحر سطوري جادة تارة, وتارة أخرى ساخرة متهكمة, وترينني أنسج من النثر بوح العشاق، وأغازل بمدادي أذواق الأدباء, أفعل ذلك بحرية لا يحدها سوى سياج من تقوى الله ومراقبته، ولا أحد يهمني بعد ذلك, فمساحات الحرية الممنوحة لي لكوني متزوجة من رجل رائع ناضج متفهم هي مساحات رحبة آمنة بفضل الله.


 لكنني أعتقد جازمة أنني لو فقدت هذه المكانة ـ لا سمح الله ـ فحتما لن أكون أنا أنا, وأظنني سأعتزل الناس, وسأتوارى عن الأعين مخافة أن أرى الأقنعة تتساقط من على وجوه أثق فيها وأجلها، وأكاد أجزم أنني سأهجر الكتابة التي أعشق.. إلا إذا كانت كتاباتي جادة حد الألم وحد السيف الصارم, أو ربما سأضطر لأن أكتب ما أحب ولكن بأسماء مستعارة..

لكن حفصة التي تعرفين لن تعود كما تعرفين.. عافانا الله من كل بلاء وفقد ومصيبة.

بنت اسكندراني
21 جمادى الآخر 1437هـ