ثمة أشياء نظن أننا نسيناها..
لكننا نتفاجأ أنها قابعة في ركن قصي
من ذاكرتنا... نتفاجأ أنها هناك في مكان ما تحتفظ بكل تفاصيلها الدقيقة...
تنتظر حدثا مشابها لتصعد من مخبئها
إلى سطح الذاكرة.
وحين يأتي ما يستفزها ويجددها ننفصل
تماما عن المكان والزمان لننتقل إلى مكان وزمان آخر.
فلا نرى إلا صور تلك الذكرى المؤلمة
وهي تتقاذف أمام أعيننا.
ولا نسمع إلا صوت أنفسنا وصوت أحاسيسنا
التي كنا تشعر بها أثناء ذلك الحدث. والعجب أيضا أننا نشم نفس الرائحة التي كنا نشمها
في تلك الأماكن الكئيبة.
هذا ما حدث لي تماما حين شاهدتُ مقطعا
تمثيليا لمريض أخذ جهاز النبض الموصول بها يصرخ معلنا دخوله في حالة حرجة, فتجمهر حوله
الأطباء والمسعفون, الكل يجري ليقدم المساعدة, شخص ما قام بصعقه كهربائيا, وشخص آخر
وقف يرقب ما يجري والدموع متحجرة في عينيه هلعا وخوفا...
لا أدري ماذا حدث بعد ذلك في المشهد
التمثيلي الذي كنت أشاهده؟؟ فلقد وجدتني وقد رحلت تماما عن الواقع... وقد عادت بي الذكرى
بسرعة البرق إلى لحظة توقف قلب أبي الحبيب (رحمه الله) ... لقد عدتُ إلى الوراء بكل
كياني وأحاسيسي ... وتلاحقت الصور أمام عيني...
محاولات إنعاش القلب... الصعق الكهربائي...
الأطباء المسعفون ... رائحة المستشفى ... دموع إخوتي... وصوت بكائي ... طبيب الإمتياز
الذي كلما أخذ اليأس منه كل مأخذ نظر إلى دموعنا فعاود نشاطه في إنعاش القلب الميئوس
منه رحمة بنا ... جهاز القلب الذي أطلق خطا منتظما لا اعوجاج فيه ولا منحدرات ... جهاز
الضغط الذي لا يزال يصرخ ...
يا إلهي ... إنه كابوس يختبئ داخلي...
لقد ظننتُ أنني تجاوزته,
لم أكن أعلم إلى أي حد هو حيّ بتفاصيله
داخلي؟؟!!!..
لم أكن أعلم إلى أي حد قد حفر جرحا
غائرا في أعماقي؟!!..
لكنني علمتُ ذلك منذ قليل حين وجدتُني
لمجرد مرور تلك الذكرى ببالي أشهق بصوت عال شهقات متتابعة دون أن أملك نفسي, وإذا بها
تتساقط دموعي بحرقة مصحوبة بشيء من الخوف, يداي ترجفان ... ونبضات قلبي تتسارع...
يا إلهي ما أصعب أن نتذكر الأحداث
المؤلمة التي مرت بنا في حياتنا!.
وما أصعب أن تحتفظ ذاكرتنا بتفاصيل
تلك الأحداث, ثم إذا بها تعود إلى الظهور فجأة أمام أعيننا دون سابق إنذار!.
وفاتك كانت مؤلمة يا والدي... مجرد
ذكراها كفيل بتجديد الجراح وتجديد الألم.
فرحمك الله يا أبي رحمة واسعة .. وجعلك
من المنعمين في قبورهم.
حرر ونشر في 22 أكتوبر 2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق