هناك كلام حين تقرؤه ﻻ يلبث في رأسك
إﻻ بمقدار ما تمر عيناك على حروفه وترحل ..
وهناك كلام يعجبك ويطربك ويقفز إلى
روحك ويحتل عقلك وتفكيرك، وهناك نوع ثالث يخنقك ويرفع ضغطك لمجرد رؤية حروفه وما ورائها
من استفزاز!
هذا ما شعرت به حين انتهيت من قراءة
فكر مستفز ﻷحدهم يتناول المرأة بشيء من اﻻستنقاص!
وفي الواقع ... أشعر بأنه ﻻ مانع لدي
أبدا من الدخول في معركة دموية طاحنة مع أحمق يرى أن المرأة التي تعمل في بيتها امرأة
عاطلة ﻻ تعمل!! ...فشهيتي مفتوحة جدا (للمضاربات) خاصة في هكذا مواضيع مستفزة!
لست أفهم كيف يسمحون ﻷنفسهم باطلاق
هذه الترهات البعيدة كل البعد عن الواقعية؟!.. ثمة أفكار خبيثة تعشعش في أدمغتهم الفارغة
فتحيطها بطبقات من شحوم الغباء المترهلة!
فليأتوا يوما إلى بيوتنا ليلهثوا من
شدة ملاحقة اﻷمهات في رحلاتهن المكوكية من غرفة لغرفة ومن زاوية لزاوية ومن ملاحقة
طفل لملاحقة آخر .. لعل شحوم عقولهم الصدئة تلك تذوب من كثرة الحركة فيحسنوا حينها
الفهم والتفكير!
إن المرأة التي تعمل في بيتها هي المرأة
العاملة، وأما المرأة التي تخرج للعمل ولديها خادمة تقوم على بيتها وأطفالها فهي امرأة
عاملة أيضا ولكن عاملة خارج بيتها! وكم بين المرأتين من اختلاف!
أما المرأة التي تخرج للعمل وليس لديها
خادمة تساعدها فهي امرأة مجاهدة مكافحة أو بمعنى آخر امرأة (منتحرة!)
نعم "م ن ت ح ر ة".. سواء أكانت منتحرة
مكرهة أم منتحرة بإرادتها.. (ومعلوم حرمة الانتحار في الإسلام!) إنها في الواقع ليست
امرأة طبيعية وإنما هي خيال من امرأة، فتجدها بالكاد تأخذ من كل مهمة بطرف وتدع بقية
الأطراف.. فللطاقة البشرية حدود !.. وهي -أعانها الله - متمردة على تلك الحدود!
وعلى أية حال فإن أمر المنتحرة هذه
لا يشغلني اﻵن.. لذا أعود إلى أؤلئك الحمقى الذين يستخفون بعمل المرأة في بيتها ويطلقون
عليها بكل صفاقة: عاطلة!!!
وبالطبع عاطلة مؤنث عاطل، وفي قاموسي التخيلي ﻻ أعرف
صورة للعاطل سوى صورة صعلوك أشعث الرأس متورم العينين من كثرة النوم... يتوسد أريكته
بكسل وقد تدلت يداه الخاويتان من أي عمل يذكر سوى اللعب في هاتفه الجوال وفي حاسوبه
من وقت ﻵخر.. وحوله فوضى عارمة يتوسطها شاشة للتلفاز تعمل ليل نهار ...
هذا تخيلي للعاطل، وﻻ أعرف كيف يطلق
علينا نحن النساء العاملات في بيوتنا عاطلات!
ترى إلى متى سنسكت على هذه اﻻتهامات
الجائرة الباطلة؟!
فلندعوا هؤلاء الشرذمة لبيوتنا
... بيوت العاطلات ليروا كيف تكون البطالة الحقيقة على أصولها!
لندعهم - يا معشر العاطلات - يرصدوا
كاميرات داخل بيوتنا ...
واقترح أن توضع واحدة لرصد "المواعين"
وحركة تداولها وتضخمها وارتفاعها عن مستوى اﻷسطح المجاورة لها، وهبوطها النادر والمقلق
!...
وحبذا لو تقصصن عليهم قصص كفاحكن مع
غسل المواعين نهارا، وكيف تختلس الواحدة منا النظر إليها ليلا.. تراودها نفسها اللوامة
على غسلها وهي تغالب النعاس قبل أن تأوي إلى فراشها، ثم يتغلب صوت العقل الراشد الحكيم
على العاطفة الحمقاء فتتوجه من فورها مسرعة الى فراشها غير عابئة بشيء!
اقترحن عليهم - يا أجمل عاطلات - أن
يضعوا كاميرا أخرى لرصد "الغسالة".. وحدثنهم عن جاذبية جديدة لم توثق علميا
.. جاذبية تعمل على جذب الملابس من جميع أنحاء المنزل للغسالة سواء أكانت متسخة أو
غير متسخة!
حدثنهم عن مهارة تجميع ساعات النوم
يوميا بحيث تكون المرأة آخر من ينام وأول من يستيقظ، وأول من يفزع ﻷي طارئ، وهي الكائن
الوحيد الذي عليه أن يتجول بين اﻷسرة ليلا للتأكد من تغطية اﻷبناء، وبالتالي تضطر هذه
المسكينة لتعوض نفسها بغفوات متفرقة أثناء اليوم لكي تسمح ﻷجهزة عقلها المعقدة بالعمل
دون "تهنيج"!
حدثنهم كيف تكون المرأة مستعدة أثناء
نومها للتجاوب مع صرخات أطفالها ليلا أو طلبات "كافتيريا الطوارئ الليلية"
التي تحلو للصغار بعد مرور ثلثي الليل!، وكيف تكون كذلك مستعدة أثناء نومها نهارا ﻷي
استجواب، وأي سؤال، وأي سخافات ﻻ داعي لها من نوع: "ماما .. ماما .. ماما .. ماما
.. ماما ..بطل الحكاية التي حكيت لنا عنها باﻷمس.. ما اسمه؟" أو " ماما
.. ماما .. ماما .. ماما .. ماما ... متى سأكبر؟"
حدثنهم -يا أحبتي - عن مهارة تفويج
اﻷبناء إلى مدارسهم يوميا، وعن تجهيز الإفطار المتكرر وفق اﻷمزجة اﻷسرية المتباينة،
وعن ملاحقة النائمين في الحمامات، وتسلية ذوي المغص المدرسي المفتعل، وانتقاء السباب
المناسب لأصحاب الواجبات والاختبارات الصباحية المفاجئة!
حدثنهم عن فنون طهي الطعام السريعة
والمحاوﻻت الجادة يوميا ﻷجل كسر آخر رقم قياسي في سرعة تجهيز الغداء! حدثنهم عن محاولة
تناسي التعليقات واﻻنتقادات التي تطال كل ما على المائدة حين يحدث خلل واحد.. ولو كان
مرة كل شهر!
حدثنهم عن مهارة المذاكرة لطفلين أو
اكثر في وقت واحد، وكذلك مهارة قذف وتصويب كل ما خف وزنه وطالت مسافة طيرانه ليعالج
حاﻻت (التناحة) المستعصية، كل ذلك مع المتابعة الدقيقة.. والدقيقة جدا لما يكتب في
الواتس والفيس بوك وتويتر!
حدثنهم عن تمريض طفلين وثلاثة في وقت
واحد وتحويل المنزل لمشفى، وكذلك تمريض الزوج الذي يعدل وحده تمريض مستشفى بأكمله...
مع اﻷشغال الشاقة المؤبدة!
حدثنهم عن مرض المرأة الذي يسقط بالتقادم
لمجرد أن أحد أفراد أسرتها قرر أن يمرض معها.. فتضطر أﻻ تهنأ بلحظات مرض مريحة!
حدثنهم عن "العزايم" المفاجئة
وملاحمها، وعن الاستعداد للسفر أو الرحلات، حدثنهم عن اللقاءات والزيارات العائلية
وعن خطط مكافحة السهر الفاشلة!
ثم حدثنهم بعد هذا كله عن المحاوﻻت
المضنية في تدليل اﻷزواج .. ومحاولة اﻻبتسام
في وجوههم في كل وقت مهما كانت الظروف والضغوطات! وكذلك التفاعل مع حكاياتهم وهموم
عملهم واﻻصغاء إليهم بتركيز شديد يشبه ذاك الذي يبديه وزير مستجد حين يتحدث إليه صاحب
السمو!
حدثنهم - يا عاطلات - أيضا عن كتب
التربية المتراكمة حول أسرتكن وعن محاولتكن المستمرة لتطبيق ما فيها، ولا تنسين أن
تحدثنهم عن تعليمكم العالي وعن شهادتكن الجامعية وشهادات الماجيستير والدكتوراه التي
حكم عليها باﻻعدام وها هي ترقد بسلام في مثواها اﻷخير مع أحلامكن المؤودة في اصلاح
المجتمع وفي اثبات الذات.. و.. و.. و الخ
للأسف .. كل ما ذكرناه وكل ما لم نذكر
... وكل ما نفعل من جهد وكل ما نقدم... لن يقدم أو يؤخر قيد أنملة في موقف وآراء هؤلاء
.. بل قد يرون أن حديثنا هذا مليء بالحجج الدامغة على أننا .... عاطلات!
ﻻ بأس أيها الحمقى الكاذبون.... نحن
عاطلات ...
نحن عاطلات ونفتخر!
فقط اسئلوا الله لنا العون والتوفيق من أجل تأدية
مهام البطالة على أتم وجه! وأن تكون بطالتنا هذه خالصة لوجهه الكريم!
انتهى
ملاحظة: كاتبة المقال (اللي هو
أنا) تعد أقرب إلى فئة المنتحرات ولكنها تغازل العاملات وتسليهن!
فرحم الله المنتحرات وأبناء المنتحرات
:)
حرر ونشر في 26 أبريل، 2014م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق