الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

موقف حدث لي مع الغش!!


بينما كنت أتصفح تويتر قرأت تغريدات تحذر الطلاب من الغش وعاقبته، فتذكرت موقفا قديما حدث لي حول هذا الموضوع، وعادة في كل عام  تتدفق علي الذكريات بمناسبة الاختبارات فأدون بعضها وأنسى الآخر.
فإليكم قصتي مع الغش
ذات يوم اقتحمت علينا معلمة الجغرافيا ـ أسعد الله أيامها بكل خير ـ هدوئنا وانبساطنا بعد حصة فراغ لطيفة ظريفة استرخينا فيها من عبء الحصص في الصف الثاني أو الثالث ثانوي، وكانت ـ رعاها الله ـ قليلة الكلام, مرتفعة الصوت, مقطبة الجبين, وعصبية جدا.
 وقبل أن نستفيق من دخولها العاصف وجدنا أنفسنا في وضعية عسكرية تشبه الاستعداد حيث أمرتنا بأن نخرج أوراقا ونغلق الكتب التي لم تخرج من الحقائب أصلا، فتعالت الشهقات والاعتراضات والتوسلات والغمغمات ببعض السبات, طبعا هي لم تخبرنا باحتمالية وجود اختبار ونحن غافلات عن خططها, وقد فوجئنا بأنها قررت ذلك لأنها ببساطة ارتأت أن تجعل درجة النشاط في اختبار مفاجئ!
وعلى وقتنا كانت المعلمة تقرر ما تشاء دون أن نشاركها في اختيار مصائرنا وطريقة التعذيب التي تحلو لنا!
وبعد محاولات مستميتة لإقناعها بتأجيل الاختبار أو إمهالنا لآخر الحصة؛ رفضت رفضا باتا وأقسمت ألا تفعل ولو حدث المستحيل ... الخ ثم شرعت في تلاوة الأسئلة!!! فاضطررنا لبلع اعتراضاتنا حتى لا تفتنا الأسئلة ورحنا نكتب الأسئلة خلفها في إحباط.
وبدأنا الحل.. في الواقع أنا لم أبدأ الحل, فلأول مرة في حياتي لا أعرف جواب لأي سؤال من أسئلة الاختبار!
نعم كنت فنانة أجيد التأليف (!)، وأدور حول الإجابة إن كنت لا أعرفها حتى آتي بها ولو بالتقريب, وربما أتفنن فيها بأسلوب أدبي لأسحر المعلمة!! لكن كل حيلي وأساليبي تعجز أمام أسئلة عن مساحة دولة من الدول، ومناخها ونشاط سكانها ومينائها البحري .. أو شيء من هذا القبيل (لا أذكر تحديدا ولكنها كانت أسئلة يستحيل معها التأليف!!)
لفت انتباهي أن زميلتي العزيزة كانت تكتب وتكتب وتكتب فتعجبت وحانت مني نظرة خاطفة في ورقتها فلمحت في ثانية واحدة إجابة سؤالين من أصل ثلاث!
تلفت حولي وأنا مرتبكة من هول ما فعلت لأرى من شهد على جريمتي فلم أجد أحدا، وظللت أرجف للحظات حتى انتبهت على صوت المعلمة وهي تحذر بأنها ستجمع الأوراق!
فانكببت على ورقتي أكتب الأجوبة وأملأ بياض الورقة الناصع بحبري قلمي الماكر!
سُلمتْ الأوراق, وبدأت المعلمة في شرح الدرس الجديد.. وإذا بي أنفصل انفصالا كليا عن الحصة لأدخل في نقاشات وجدالات تدور بين نفسي اللوامة ونفسي الأمارة بالسوء..
واحدة تلومني على الخيانة والغش، والأخرى تهوّن الأمر لأن الدرجة بسيطة أصلا، وهذه هي المرة الأولى والأخيرة، نعم فعلتها وأنا في المتوسط لكني لم أفعلها منذ التزمت, فأميل إلى رأي الأمارة بالسوء تارة حتى تجذبني اللوامة بقولها: ستألفين القليل، وسيمحق الله به الكثير، كوني شجاعة واعترفي بغشك كما كنت شجاعة حين فعلتها!
فتعود الأمارة بالسوء لتصرخ: أجننت؟! ماذا ستقولين؟ أيتها المعلمة الفاضلة: إلغي علامتي لأني غشاشة؟! ولمن ستقولين ذلك؟ ألهذه المعلمة بالذات وأنت تعرفين أنها تغص بك ولا تطيقك أصلا؟!! وهبي أنها فضحتك.. وهبي أنها ... الخ
انتهت الحصة التي لم أعي منها شيئا بانتصار نفسي اللوامة، فخرجت خلف المعلمة فلما رأتني ابتسمت ابتسامة التشفي، فبعض المعلمات يسعدهن أن ترى متفوقة تتذلل لأجل درجاتها، خاصة إن كانت لا تحبها.
ناديتها فأجابتني بنعم جافة تشبه الصفعة تقريبا!! ثم أردفت بابتسامة متشفية: الاختبار لن أعيده ولو انطبقت سماء على أرض! مفهوم؟ عندك شيء آخر؟!
بالطبع كل ما كنت أجهزه من كلمات تبخر حين آلمني كبريائي ورأيتني في موقف يشبه شحاذ يمد كلتا يديه لغني فيتلقى فيهما بصقة بدلا من صدقة!!
فغضبت غضبا شديدا جعلني أرفع عيني في عينها وأنطق كلامي بغضب وتمهل وأنا أجز على أسناني فقلت:
أنا لم آتي لكي أرجوك لتعيدي لي الاختبار، فلقد سمعتك وأنت تكررين رفضك لذلك, وأنا أعي ما أسمع!!
فقالت: أجل وماذا تريدين؟!!
قلت: الأمر بخصوص الاختبار ولكن لأجل أن تحذفي لي علامة سؤالين! أعلم أنني سأسقط من عينك لكني يهمني أكثر ألا أسقط من عين نفسي، لقد غششت الإجابتين من زميلتي دفعة واحدة وفي ثانية واحدة! كيف؟ لا أعرف كيف؟ ولم أكن أنوي فعل ذلك! وبالمناسبة لم أخبرك بذلك خوفا من أن تكتشفي غشي، فأنا ماهرة في تغيير الجمل حتى يستحيل أن تطابق إجابة أي طالبة أخرى!
عموما هذا ما عندي فشكرا لك!!
ثم تركتها مذهولة في مكانها لم تتحرك، وكم شعرت بالزهو والانتصار لكبريائي كوني أنا من وضعت نقطة في آخر كلامنا ثم تركتها لتستوعب كلامي الغاضب وذهبت.
 ومر الأسبوع وأنا أتجنب النظر إليها خجلا من نفسي مرة وغضبا من جرحها لكبريائي بهذه اللغة الجافة مرة.
 وفي حصتها التالية ارتديت ثوب اللامبالاة وانتظرت إعلانها للدرجات، وتهزيئها لنا والتلميح بفعلتي إن لم يكن التصريح بها!!
لكنها كانت هادئة مبتسمة، وحين سُئلت عن الاختبار قالت أنها رأت أن تعيده الحصة القادمة, لا لأنها أجبرت على إعادته، ولا لأنها أشفقت علينا, وإنما لسبب آخر رأت أن تحترمه وتقدره، ثم ابتسمت لي ابتسامة أذابت جليدا كان بيننا بحجم القطبين الشمالي والجنوبي!!
وانتهت القصة بنهاية لم أكن أتوقعها ولله الحمد, صحيح أننا لم نصبح على تواصل ومودة ظاهرة إلا أن جسورا لا مرئية من الاحترام والتقدير مدت بيننا, ولم تكن لتمد وإن بذلتُ في سبيل ذلك طاقتي وحيلتي, لكن الله قدر أن تحدث بسبب هذا الموقف!.


حرر ونشر في 24 مايو، 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق