دعتني جاراتٌ لي كن يجاورنني منزلي
القديم ـ الأسبوع الماضي ـ لكي أذهب معهن لإحدى الأخوات التي كانت تجاورني (وكان بابي
ملاصقا لباب بيتها مدة خمس سنوات تقريبا), وهدف الزيارة هو أن نعزّيها في وفاة ولدها
(مريض التوحد) ولكي نبارك لها بمولودها الجديد!!
طرقتُ بابها في ذلك اليوم الموعود
وأنا أعتصر ألما..
ففي ذات المكان قبل سنتين كنت أسمع أصوات محمد ـ
ذاك الصبي الأشقر الوسيم ـ وهو يلهو وحده هنا وهناك، ومن داخل بيتي كنت أسمع بكاءه
المتواصل ليل نهار، كان في عمر ولدي تقريبا، لكنه لم يكن طبيعيا بصراخه وبحركاته العجيبة
منذ ولد! ورغم ذلك كان محبوبا جدا, وقد تعلق به أطفالي وأحبوه.
الذكريات تنساب رغما عني حتى فتحت
لي الباب.. طوال الطريق إلى منزلها وأنا أذكر نفسي بأنها ليست زيارة عزاء، فالطفل قد
توفي في الرياض منذ أكثر من شهر، إنما هي زيارة لأجل المباركة على المولود الجديد،
وجارتي الأخريات قد عزمن على ذلك فعلا وها أنا أسمع أصواتهن وضحكاتهن تأتي من خلف الباب!!
خطوت إلى الداخل حين فُتح الباب، ورأيتها..
تبا للذكريات إنها تصر على أن تحاصرني كالموج الهادر
من كل مكان، يفترض بي أن أبتسم وأن أقدم عزائي في عبارات مقتضبة! لكني لم أقل شيئا،
فقط احتضنت الأم ورحت أشهق بشهقات مكتومة وأبكي رغما عني، لقد قالوا أنه توفي منذ أربعين
يوما أو أكثر لكني حين احتضنتها أدركت أنها لم تزل ثكلى كما لو كان الصبي قد دفن بالأمس!
تمتمنا بعبارات لا أذكرها لكن لغة
التواصل كانت نحيبا متواصلا!.
وحين دخلت إلى المجلس أخيرا كنت منهكة
تماما ومكتئبة!.
أخذت مجلسي بينهن ورحت أحاول أن أجاري
حديث المتحدثات،.. أجاملهن.. أعبر عن شوقي لهن.. لم أستطع, فؤادي كان يتمزق رغما عني.
الأم كانت صابرة مبتسمة تحاول مجاملة
الجميع، وتحاول دمجي في الحديث فليس من عادتي أن أصمت في مجلس كهذا..
كنت أعلم أنها تفتقد مرحي الذي ينتزع
الضحكات من أعماقها رغم همومها، تفتقد أحاديثي التي أملأ بها جلساتنا الدورية ـ التي
كنا نجلسها نحن وجميع الجارات منذ زمن ـ صخبا ومرحا.
بغضت نفسي حينها..
لقد حاولت لكني لم أستطع، لقد تعبت من كثرة ما أخفي
دموعي وأطاردها وأشتتها على صفحة وجهي خاصة حين رأيت المولود الجديد..
الطفل الصغير كان ملفتا جدا, سبحان
الخالق المصور... كأنه محمدا!!
لقد عوضها الله صبرها بطفل سليم يشبه
أخاه!
نعم مات محمد لكنه سبقها إلى الجنة
ليستقبل أبويه، نعم تعذبت هي وزوجها بأمراض محمد وبتدهور حالته حتى أنه فقد البصر في
آخر أيامه, وقد كان أصما منذ ولد, لكن محمدا الآن عند رب رحيم ينتظر والديه في الجنة.
هاهي الأيام الصعبة زالت رغم أنها
بدت دهورا لن تنتهي، لقد استراح الصغير من الدنيا وأراح والديه من التعذب به والتألم
عليه.
ليتنا نعي أن همومنا التي نراها كالجبال
ستزول يوما, وأنها محض خير لنا في الدنيا والآخرة.
ليتنا نؤمن بذلك ونستحضره فعلا إذا
ابتلينا لا سمح الله بالمصائب.
فاللهم ارحم محمدا ووالديه, واشف مرضانا
وجميع مرضى المسلمين.
هذه قصة محمد كتبتها على عجالة للفائدة,
لعل الله أن ينفع بها من القارئين أحدا فيصبر على بلواه.
حرر ونشر في 13 مايو، 2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق