الخميس، 4 ديسمبر 2014

قصة مريض!! (قصة قصيرة) ‏

على صوت تلامس صحن القهوة بسطح الطاولة التي بجوار سريره.. انتبه!
 طوى الجريدة المثقلة بمآسي الأمة مع حفنة من التفاهات التي لا تتناسب مع تلك المآسي ثم اعتدل..
 تعلقت عيناه بالقهوة التي لازالت تدور دوامتها في الفنجان.. غمغم بالشكر في صوت خفيض!
 بدا شكره روتينيا للدرجة التي لا تستدعي الرد عليه!
قال وعيناه لازالت ترقب القهوة:
رجاء أحضري لي لحافا إضافيا.. فيبدو أن الشتاء يصر أن يدكك قواي!
تحركت زوجته لتحضر له طلبه ومرت على المدفئة لترفع درجة حرارتها.. بينما مدّ هو ذراعه ليتناول عُلب الدواء من جوار سريره!
وفي حركات روتينية منتظمة راح يخرج قرصا أو اثنين من كل علبة ثم يعيدها إلى مكانها بدقة.
العلبة الأولى كانت من دواء يعدُّه رفيق مرضه أو بالأحرى رفيق دربه.. ربما يعرفه من قبل أن يعرف زوجته!
إنه يتناول الدواء ليس من أجل الشفاء وإنما ليحافظ على ما تبقى من صحته من التدهور!
لا دواء على وجه البسيطة قد صنفه البشر لعلاج مرضه, ربما في المعامل تجري تجارب على تركيبات دوائية تشفي من دائه لكنه لا يدري هل يمتد عمره ليدركها أم لا؟ وهل إن لحقها سيكون بإمكانها أن تعيد عليه شبابه الذي فاته الاستمتاع به؟
 كثيرا ما يفكر بأن مجموع ما تناوله في حياته منذ صغره قد يوازي انتاج مصنع دواء بكامل طاقته الانتاجية لمدة سنة!! رغم أنه لم يزل في أول أعتاب الأربعين!.. إنه عميل مميز بلا شك للشركات الدواء!
تناول كأس الماء الذي بجوار قهوته التركية التي يهوى تناولها قبل النوم .. إنها تساعده على النوم على عكس الآخرين!
تناول الخمسة أقراص التي أخرجها واحدا تلو الآخر! ..
 هو لا يحب أن يزحم حلقه بها دفعة واحدة!
أعاد الكأس مكانه, وعاد ليفتح المزيد من علب الدواء ويخرج المزيد من الأقراص!
 رائحة القهوة تلح على حواسه بأن اقترب!، زوجته تعبث في خزانة الملابس في أقصى الغرفة فتحدث ضجة خفيفة, ثمة أصوات تنبعث من الشارع المتجمد خلف النافذة يتخللها صمت الليل الذي يحاول فرض سيطرته على الأجواء بلا يأس ولا استسلام!
تذكر .. يقولون أن مآذن بغداد قد توقفت عن رفع الأذان السني احتجاجا على ما يُفعل بأهل السنة هناك.. من كان يتخيل ذلك؟ بغداد لا يرفع فيها: محمد رسول الله؟؟!!!!
من كان يتخيل أن المساجد في بلاد العرب تصمت, وبعضها يكمم فاه عن قول الحق, وبعضها يهدم وتستباح حرمته حتى في أرض الكنانة!
 من كان يصدق؟ويسمونه الربيع العربي!!!!..
إنه طوفان عربي.. لا.. بل زلزال أخرج خبأه من الخبث, وبعثر الفساد الذي كان مستترا في القبور!
ومن كان يتصور أن حرائر العرب .. فتيات في عمر الزهور يحكم بالسجن على أجمل سنوات عمرهن من أجل إرهابٍ وتصفية حسابات سياسية قذرة بين مَنْ لا يخاف الله ومَنْ قال ربي الله ودستوري شرع الله!
 إنها أحوال مزرية مؤسفة لا تمت للربيع بصلة, والعرب نيام لا يفيقون ولا يفزعون ولا ينتفضون!!!
 لا بأس.. الانتفاضة عادة تصدر من أحياء وليس من أموات!


 أعاد العلب إلى مكانها ..  وبين يديه ستة أقراص أخرى!
معرفة مواعيد الدواء فن بات يتقنه ويستحق عليه جائزة في الدقة والتنظيم.
كم من مرة فكر في أن يكتب طريقته في تنظيم الدواء للمرضى الذين يسأمون من كثرة ما يخلطون بين مواعيد الأدوية التي يتناولونها! الأمر ببساطة إعداد ثلاث أو أربع مجموعات من الأدوية مقسمة على أوقاتها, وبالطبع هناك أدوية تكرر في اليوم مرتين أو ثلاث مرات ومع ذلك يُوضع لها في كل مجموعة علبة مختلفة, ومع كل مجموعة منبّه صغير خاص بها, يدق في الوقت المخصص لتناولها, وهناك ورقة أنيقة في وسط كل مجموعة محدد عليه أسماء الأدوية وجرعاتها.
إنه تنظيم يستحق براءة اختراع!
لعله يسعى يوما لذلك!
ابتلع الأقراص جميعها ثم عاد إلى ذات المجموعة ليكمل ما بدأ .. أخرج أربع أقراص أخرى من علبها وأعاد العلب إلى مكانها..
خمسة عشر قرصا هي حصته من هذه المجموعة المسائية!
منذ عدة سنوات كان يتناول سبعة فقط, لكنه كان في كل مرة يتناولها فيها يتضجر من حاله ومن كثرة تناوله للدواء، وكان يتساءل دائما: هل هناك ما هو أسوأ من ذلك؟
 وكلما تقدم به العمر علم أن هناك ما هو أسوأ!
صحيح أنه لم يُصب بانتكاسة صحية خطيرة تدهورتْ على إثرها صحته ليعرف أن هناك ما هو أسوأ ـ سواء في المشافي أو في غرف الإنعاش أو في بيوت تحت الحصار والقصف أو في بيوت فقراء لا يجدون ثمن الدواء ـ إلا أن تزايد عدد حصته من الأقراص في كل مرة كانت إجابةً واضحة لسؤاله، فهناك حتما ما هو أسوأ!
لقد مضت سنوات من عمره وهو ناقم على صحته التي لا تماثل صحة أقرانه, ولازالت صحته في تدهور نسبي وهو معها في حسرة تتزايد حتى بلغ الأربعين, حينها أيقن أن هناك ما هو أسوأ, فكف عن تكرار هذا التساؤل كل يوم واستبدله ب: الحمد لله!, وما أعذبها من كلمة.
كم نضيع  من أعمارنا في سوء الظن بالله ثم ندرك حين ننضج أننا إنما نرفل في بحار نعمه! وأن لكل ابتلاء حكمة لا ندركها, ومع الابتلاء لطف لا نستغني عنه ولم نؤدي حقه من الشكر.


ابتلع القرص الأخير ثم تناول بكلتا يديه فنجان القهوة الذي لفظ آخر أنفاسه من البخار المتصاعد!
عاد إلى الاتكاء على وسادته في اللحظة التي عادت فيها زوجته بلحاف إضافي ليغطي عظامه التي تصطك خلاياها باحثة عن الدفء, فإذا لم تتحقق رغبتها قامت مسعورة بقضم العافية من جسده قضما!
احتضن الفنجان براحة يديه ليدفأ أنامله المتجمدة بينما زوجته الحنون تمد اللحاف فوق الأغطية التي على جسده! تأمل جسده النحيل الممدد تحت الدثار وابتسم.. بالطبع هناك ما هو أسوأ.. فالحمدلله على نعمائه.. لازال لديهم لُحًفًا أخرى قادرة على تغطية احتياجاته من الدفء فيما لو لم تكفي هذه.. وتلك في حد ذاتها نعمة!
غمغم لزوجته بامتنان لا تحكيه الكلمات: شكرا!
ثم شرد بذهنه ثانية يتذكر أخبار مآسي الأمة الإسلامية الجريحة التي ازدحمت بأخبارها البائسة قنوات التلفاز وكذلك جريدة اليوم .. بالطبع هناك ما هو أسوأ من حالته المنفردة!
إنها حالة الأمة المتدهورة بالطبع!, لكننا عادة لا ندرك أن هموم الإسلام وأهله أكبر من همومنا الشخصية.
ابتسم بتهكم..
إن الأمة بحاجة لمن يسجل براءة اختراع في ابتكار وتخطيط وتنظيم جرعات من دواء مسكن يحافظ على صحتها من التدهور لحين تركيب خلطة دواء فعال مبتكر يخلصها من دائها العضال ويحقق لها تمام العافية.
لكن لا أحد يفعل ولا أحد يبادر!.. إنما يبادر بالأفعال وردات الأفعال الأحياء فقط!

ربما الأمة حية لم تمت.. ولا يصح أن نقول أنها ماتت, لكنها نائمة, والنائم في موتة صغرى, أليس كذلك؟.. إنها نائمة إذن.. وليس هذا فحسب وإنما هي نسيت أيضا أن تضبط منبها ليوقظها في الوقت المناسب! .. هذا لب القصة بالتحديد!!.
انتهت

(هذه قصة كتبتُها منذ ساعات, أي أنه لم يمر عليها أربعة وعشرين ساعة بعد, وقد أحببتُ أن أضعها طازجة بين أيديكم, لأنني عادة ما أخبئ قصصي عن النشر بحجة أن عالم الانترنت مليء بالسرقات :) ثم أتناساها فأنساها, أو أجهز عليها بيدي فتفارق الحياة لتسكن قبور أدراجي مع أخواتها الصالحات, ففكرتُ أن أمرر هذه القصة القصيرة لكم أيها الكرام, وأرجو أن تحوز رضاكم).


حررت ونشرت في 28 نوفمبر، 2013‏م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق