في أحد المواقع طرح موضوعا يتساءل
صاحبه فيقول:
هل قلب الأديب مثل قلمه؟
ولماذا نُصدم بجفاء الأديب في الواقع؛
بينما نراه برقة متناهية على الورق؟!
فأحببت أن أشارك في الموضوع لأدلي
بدلوي فيه فقلت:
الأديب هو إنسانٌ كأيّ إنسانٍ .. غيرَ
أنّه يُجيد فنّ التعبير...
يُحكم عليه كما يُحكم على غيره , ولا
يشذّ عن فطرة البشر في ميلهم لإبداء محاسنهم وإخفاء عيوبهم عمَنْ حولهم . فلا فرق بين
أديبٍ معتدٍ بنفسه ومفتخرٍ بحسبه ونسبه ؛ وبين متصدرٍ في المجالس , يحكي انجازاته
, ويضخم نجاحاته , ويبالغ في مدح نفسه , حتى لتظنَّ أنه معجزة ربانية تمشي على الأرض
! , ويبدع إبداعا يستحق معه جائزة (موسادية!) في إخفاء جرائمه ومساوئه , والتهوين من
شأن سقطاته وإخفاقاته . فإن قلتَ أن متصدرَ المجالسِ هذا كاذبا يضفي على نفسه ما ليس
فيها ؛ فقل بالمقابل هذا شاعرٌ كاذبٌ يدعي لنفسه ما ليس فيها.
وإن تأملتَ بتمعنٍ حال البشر , قلما
تجدُ من يجلد نفسه بسياطِ اللومِ على مرأى منك , أو يتعمدُ التهوينَ من شأنِ نفسه أمامك
. فإن وجدتَ من شذَّ عن العرف فجاءك بخصاله السيئة يرصها بين يديك رصا , فاعلم أن بالمقابل
أديبا أو شاعرا سيفعل ذلك . لكن ذلك يندر ويقلّ , إذ مَنِ الذي يسعده أنْ يَسْتَحِثَّك
وأنت مُستمتِعٌ بقراءة شعره أو نثره ؛ على سبه وشتمه والتقزز من سريرته , إلا إذا كان
مختلا أو مجنونا لا يعي ما يفعل.
وبين هذا الإفراط وذاك التفريط ..
تظل الشريحة العريضة من المجتمع البشري يميلون إلى الاعتدال , وهناك بينهم لن تعدم
أديبا معتدلا صادقا ... رقيق المشاعر , ذا حسٍ رهيفٍ ... وأدبٍ بليغٍ , يمقتُ المبالغةَ
... ويصدقُ القولَ , يمعِنُ في التأمّل ... ويتقنُ سبرَ أغوارِ الغيرِ , يتفانى في
الوفاء , ويحسنُ التواضعَ , ويُجيدُ الصمتَ . فإن رأيتَ مثل هذا الأديب فلا تَلُمْ
مَنْ خلع عليه أجمل الصفاتِ , وأعذبَ الطباع.
وأنا لا أزعم أن كل من أبدع قلمه
, وفاضتْ كلماته بالرقة والعذوبة , وجاب بجواده مرجَ الأخلاقِ الحميدةِ دونما خيلاءٍ
؛ أن يكون صورةً طبق الأصل لما يعكسه قلمه , بل ربما يكونُ صاحبَ خلقٍ سيءٍ وطباعٍ
جافةٍ . فهَبْ أنكَ قد صادفتَ من هؤلاء من هو كذلك , فالتمس له عذرا , فلعله لم يجد
حوله مَنْ يُقدّره. أو لعل الحياة قد أخذته على حين غرةٍ فأذاقته سياطا مؤلمة , جعلته
يتقوقع برقته وشاعريته مختبئا عن الأعين , متقمصا شخصية قاسية جلفة , ليستطيع أن يعيش
في عالم همجيٍّ موحشٍ . فإذا ما اختلى بقلمه في هدأةٍ من ضجيجِ الحياة , تسلّلَ إلى
جوهرة قلبه النقيّة , فيحادثها وتحادثه , ويسامرها وتسامره , فتراهما ينسجان أبدع الحروف
وأرقها , فيأتيك فيض قلمه كما لو كان قبسَ نورٍ آتٍ من الفضاء.
وعلى هذا فلا عجبَ حين ترى المحب الحقيقي
العاشق الولهان الساهر حتى مطلع الفجر ؛ قد اعتلت صحته وهرم بدنه ، يرى سواد الليل
في ضحوة النهار , وهو لا يملك التعبير عما في نفسه.. بينما ترى الشاعر صاحب الصنعة
يجيد وصف الجوى ولوعة الفراق وهو يحتسي كأسا من الشاي المنعنع!!
فالفرق بينهما أن الشاعر بخياله الخصب
قد تقمصَّ شخصيةَ المحبِّ الولهانِ , فأجرى على لسانه ما جرى في فؤاد صاحبه ... ولو
أن المحبَّ الحقيقي الساهرَ حتى مطلع الفجر قد أتقن التعبير عما في نفسه لأجاد وأبدع
عن صاحب الكوب المنعنع!
خلاصة الأمر: أن الكاتب إما أن يكون
كاذبا يدعي ما ليس فيه أو صادقاً , والصادق إما أن يكون صدقه في ذم نفسه وفضح عيوبه
وإما في مدح نفسه , والصادق في مدح نفسه إما أن يصِّدق حاله مقاله أو يكذبه.
وبكل الأحوال نستخلص أن الكاتب إنسان
كأي إنسان .... غير أنه يجيد فن التعبير.
تبقى المشكلة الأساسية ـ من وجهة نظري
ـ هي في خيال القارئ . فما ذنب الأديب (شاعرا كان أو ناثرا) إن ابتُلي بقارئ قد رسم
في خياله لأديبه المفضل صورة ملائكية؟؟!! يرفعه على عرشٍ من الإجلال والتوقير , ويلبسه
حللا من الجمال والكمال , ثم ينحني بين يديه بتقديس واحترام , فإن قُدّر لهذا القارئ
أن يرى أديبه المفضل على صورته الحقيقية ـ إنسانا من لحم ودم , يأكل ويشرب , يثور ويغضب
, يسب ويضرب ـ لأصابته صدمة عظيمة , وانهارت خيالاته وصوره الجميلة تباعا.
فإن رأيتَه يشكو صدمتَه , فدَعْهُ
يعاني من خيبةِ أملٍ هو حائكها وصانعها , والأديبُ .. منها بريء براءة الذئب من دم
يوسف عليه السلام!.
إن ما يقلقني ـ يا سادتي الأفاضل ـ
ليس قلب الأديب هل هو مرآة لقلمه ؟ وإنما .. ما يقلقني هو ذلك القارئ الساذج الذي تسحره
الكلمة , وتطربه الصورُ والتراكيب , فيُسلم قلبه وعقله لذلك الأديب البارع , الذي قد
يدُسُّ السم في العسل , وصاحبنا قد رفع راية الاستسلام المسبقِ لأفكار وقناعاتِ كاتبه
, رافعا من شأنه , ومقدسا لقوله . غاب عنه أن أغلب أدباء عصرنا هذا ـ إلا من رحم الله
ـ ضائعو الهوية , مضطربون في أفكارهم , مترنحون تحتَ وطأةِ استعمارٍ فكريٍّ مُشتِّت
, فتراهم مذبذبين بين إسلام وعلمانية والحاد , لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
فإن لم يكن القارئ مُسَلَّحَا بعقله
, مُحَكِّمَا لدينه ومبادئه ؛ فقل : على أمتنا السلام!!.
حرر ونشر في2010
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق