كنا نشاهد التلفاز على سفرة الغداء
اليوم كما تفعل الكثير من الأسر, وكان من بين الأخبار: وصول عدد من رواد الفضاء بمركبتهم الفضائية إلى المحطة الفضائية الدولية,
وتم عرض صور لرواد فضاء المركبة وهم يدخلون على رواد فضاء المحطة الدولية ويعانقونهم...
إلى هنا والأحداث تبدو طبيعة!.
لكنني كنتُ في حالة مزاجية جيدة بعد
أخبار الانتصارات المتوقع الإعلان عنها قريبا في سورية الحبيبة, ويبدو أن ذاكرتي كانت
على درجة من الصفاء والاسترخاء الذي دعاها لأن تلقي على حاضري بمسألة كنتُ قد قرأتهُا
عن رواد الفضاء منذ زمن!
فقلتُ في نفسي :
أظن أن مسألة التوأم الذي رحل أحدهما
في الفضاء والآخر بقي على الأرض لا زالتْ تُدرَّس!
وهنا اكتشفتُ أنني لم أكن أحدّث نفسي
وإنما كان صوتي مسموعا , وقد تسلل بطريقة ما إلى أسماع من حولي ,
فإذا بزوجي ـ رعاه الله ـ ينظر إلي بفضول ويستحثني
على إيضاح ما قلته !!.
ورغم معرفتي بأن القراءة في الخيال
العلمي ليس من اختصاصه إلا أنني تشجعتُ ,
وتناولتُ الميكرفون الذي عُرض علي واعتليتُ المنصة
, ورحتُ أسترجع من قبو ذاكرتي الأصيل تفاصيل
تلك الافتراضية , فقلتُ :
لو أن مركبة فضائية سافرتْ برجل يبلغ
الثلاثين من عمره وله توأم تركه على الأرض ؛ ثم سارتْ المركبة به بسرعة هائلة في الفضاء
وغابت عامين ؛ فإن الزمن يتباطأ به ويختلف عن زمن أهل الأرض , وحين سيعود إلى الأرض
سيكون عمره 32 عاما بينما توأمه سيكون في الخمسين من عمره!!
إلى هنا توقفتُ مرغمة حين وجدتُه يحدق
بي كما لو أنني أنا من سافر في الفضاء ؛ ولكني عدتُ ـ وعلى عكس تلك الافتراضية ـ عجوزا
مسنة تهذي وتخرف !!
بالطبع هذه النظرة المصوبة إليّ بعناية أصابتْ قبوَ
ذكرياتي المجيد بزلزال مفاجئ ؛ فتساقطتْ الملفات من على أرففه واختلطتْ ببعضها في فوضى
عارمة , فلم أستطع أن أكمل معلوماتي حول تلك الافتراضية !
وكلما حاولتُ أن أكمل حديثي أمسكتُ بملف آخر لا يخص
الموضوع !
لكن الفضول الذي أطلّ من عينيه لازال
يستحثني كي أكمل ؛ أو ربما هو يستحثني بالأحرى على التراجع الفوري ونفي تلك الخزعبلات
نفيا قاطعا !!
شيء ما بداخلي صرخ بي أن أكمل بثقة ما بدأتُه وأشرع
في شرح تلك الافتراضية بالتفصيل إلا أنني لم أكمل..
لأن الذكريات ببساطة اختلطتْ ببعضها
في قبوي المسكين , وبدا لي أنني مع هذه الفوضى
سأتلو عليه ذكريات قطتنا الأليفة التي
ظلتْ حبيسة حفرة بناء بجوار منزلنا لمدة يومين ونحن
نبحث عنها في كل مكان؛ وحين وجدناها كانت نحيلة بشكل
مخيف واضطررنا لأن نغسلها بشامبو الشعر لكي تعود إلى لونها الأصلي!
أو حين طلب مني والدي ـ رحمه الله ـ أن أدير محرك
السيارة في فجر يوم بارد ريثما يستعد لكي يوصلنا إلى مدارسنا , وحين خرج وجدني قد قفزتُ
في مقعده رغم نقابي وأخذتُ أحرك السيارة أمتارا إلى أمام وأخرى إلى الخلف أسلي نفسي
وأمنّيها بقيادة السيارة ... فكاد أن يقتلني!!
انتزعتني نظرات زوجي الموقر ـ رعاه
الله ـ من مطالعة ملفات ذكرياتي القديمة إلى الواقع ؛ وانتظرتُ انفراج شفتيه بأية تعليق
لكي يكسر لحظة الصمت التي جعلتني أفكر جادة في أن أغلق باب قبو الذكريات الخاص بي إلى
الأبد , عملا بالمثل : الباب اللي يجيك منه الريح سده واستريح !!
وحين منَّ الله عليه وتحدثْ قال :
(أمروها كما جاءت !!)
فتلقيتُ كلامه كصفعة , فكأنه يروي
حديثا عن مختلة عقليا, وهو يترفع عن الخوض في تفاصيل حديثها مخافة أن تتأكد شكوكه في
سلامة عقل المتحدثة!!
بالطبع كان أبسط ردة فعل وجدتُها جاهزة
أمامي لأملأ بها الفراغ هو أن أضحك وأضحك وأغرق في الضحك !!, حاولتُ أن أدافع عن نفسي
وأؤكد أنني قد قرأتُ هذه المعلومة بالفعل منذ زمن , إلا أن الصدمة جعلتني أبدو كمن
نام في حصة الحساب واستيقظ على سؤال أستاذ الجغرافية وهو يسأل عن مناخ استراليا فأجاب
جذر 25 !!!
لستُ أدري لم كنتُ أقرأ في الخيال
العلمي وأنا صغيرة ؟ ولم شغلتُ عقلي بالفضاء الخارجي؟
وما الذي يعيبها كتب الطبخ وكتب تعليم
الحياكة ؟!! على الأقل كانت ستنفعني أكثر !!
وبعد أن مرّ الموقف بسلام دون المزيد
من الخسائر المعنوية هرعتُ إلى شيخ المثقفين الشيخ / جوجل ليفتيني في خزعبلات الماضي
تلك, ولأتأكد هل كان لذكرياتي هذه أصل؟؟
أم أنها من أثر سهري في الليل ونومي
في النهار في تلك الفترة ؟؟
أو ربما كانت من أثر الإفراط في تناول
المنبهات والشطة مثلا ؟؟
المهم أنني وجدتُ القصة بالفعل قريبة
جدا من تلك التي رويتُها , فتنفستُ الصعداء وحمدتُ الله, وعزمتُ أن أكتب ما جرى لأطمئن
نفسي وأبنائي وأحفادي وأحفاد أحفادي (بإذن الله) أن جدتهم كانت مثقفة ثقافة لا بأس
بها , وأن قبو ذكرياتها لا يقدر بثمن !! :)
ولقد كدتُ أن أختم كلماتي هذه بالقصة
الأصلية لذلك التوأم المشؤم لكنني تراجعتُ , فتلك الافتراضية لا تستحق أكثر من هذا
, وحقيقة أنصحكم بأن :
تمروها كما جاءت !!!
ولا أدري لم لا يحتفظ هؤلاء العلماء
بافتراضياتهم المجنونة هذه داخل عقولهم حتى يموتوا بها , وبذلك يريحونا ويريحوا البشرية
من شياطين أفكارهم !
بقي أن ما سأجنيه من فائدة وراء هذه
القصة المجنونة هو هذا الموقف الذي أحييتُه بتدوينه في هذه الكلمات ليبقى يرسم الابتسامة
على شفتي كلما قرأتُه , وعلى شفاهكم كلما تذكرتموني وتذكرتموه..
أسعد الله أيامنا وأيامكم وأصلح أحوالنا
جميعا , وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.
حرر ونشر في 30 مارس، 2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق