لي صديقة مخلصة كأخلص ما تكون الصديقة لصديقتها والأخت
لأختها, وقد ازدادتْ وتعمقتْ صداقتنا ومحبتنا الخالصة لله وفي الله حتى ضربتْ بجذورها
سويداء قلوبنا بعد أن تجاورنا في السكن مدة ست سنوات تقريبا, ثم شاء الله لها أن ترحل
عن مدينتنا إلى مدينة أخرى من مدن المملكة, فحالتْ بيني وبينها السبل إلا أننا بقينا
على تواصل, وما إن وطئتْ قدماها المدينة التي رحلتْ إليها حتى ساءني ما يصلني من أخبارها,
فقد أصابتها آلام متفرقة في جسدها, وظلتْ تتردد على الأطباء حتى اكتشفوا أنها مصابة
بمرض السرطان (عافانا الله وإياكم وجميع مرضى المسلمين منه) رغم أنها لم تتجاوز الخامسة
والثلاثين من عمرها آنذاك, وكانت في مرحلة متأخرة من المرض (في المرحلة الرابعة من
أصل خمس مراحل كما يقول الأطباء) فتمزق قلبي عليها ألما وحزنا.
المهم أنها بدأتْ رحلة علاج طويلة
وشاقة, سافرتْ خلالها خارج المملكة وأجرتْ عددا من العمليات لاستئصال الأورام, وعلى
رغم ابتلائها تراها مبتسمة بشوشة ذاكرة لله مثنية عليه, وكانت كثيرا ما تسلي نفسها
بومضات الرحمة التي يرطب الله بها قلوب عباده المبتلين.
فإذا ما غفلتْ عنها ودكتْ عظامَها الآلامُ قمتُ بتنبيهها
واشغالها بها حتى تنتبه لها فتأنس بها.
وكانت كثيرا ما تهاتفني كلما اشتد عليها البلاء,
ولأني أحبها في الله من كل قلبي رأيتُني وقد اتخذتُ معها سياسة غريبة لم أخطط لها,
وإنما فجأة وجدتُني منهمكة في تنفيذها, فلا تحدثني بآلامها ومخاوفها وتستطرد في ذلك
إلا أراني وقد أوصدتُ الباب أمامها بلطف, ثم جذبتها إلى زاوية طريفة في الموضوع الذي
تحكيه, فلا أزال أقلّبه وأصوّره لها على كل وجه بطريقة مضحكة حتى تنهمك في موجة من
الضحك تنسيها ما كانت تشكو منه. فإذا رأيتُها وقد انبسطتْ أساريرها وانهمكتْ معي متناسية
همها = أصبتُها بسهام من الكلمات العميقة المؤثرة عن الصبر وعظيم أجره, فتصيب سهامي
موطن شكواها فتبرأ مخاوفها ويلهج لسانها بحمد الله والدعاء.
وأذكر حينما اتصلتْ بي تخبرني أنها
ستبدأ مكرهة أولى جرعات العلاج الكيماوي كما قرر الأطباء, وأن أشد ما يؤلمها ويحزن
فؤادها أنها ستفقد شعرها!!!, بالطبع مزعتني حروفها التي تقطر خوفا وألما وذعرا عجزتْ
أن تخفيه, وحاولتُ أن أتماسك لأجلها فشجعتُها بعبارات اكتشفتُ فيما بعد أنّها استخدمتها
لا لتهون على نفسها هذه المحنة وإنما لتهونها على من حولها, فإذا ما جاء أحد لزيارتها
وعلّق على أهمية صبرها على الابتلاء وخاصّة على سقوط شعرها, فإذا بها تقول لهم: تقول
صديقتي (تعنيني أنا): أنا لو منك ما أزعل على هذا الشعر!, ثم ما يدريك لعل الكيماوي
يؤثر في خلايا رأسك فينبتْ لك بدلا منه شعرا أشقرا جميلا أنعم من الحرير!! ولربما وصل
تأثير العلاج إلى عينيك فاخضرتْ!! فإذا بك بقدرة الله حسناء مليحة بعد هذه الجلسات
المباركات!!!
فيتعجّب الناس من صبرها ومن مرحها
ومن بساطة تقبلها للأمور.
وحين كان البعض يعلق على اشتياقها
لأولادها في المملكة كانتْ تكرر عباراتي التي كنتُ أسلّيها بها حين تحدثني عن شوقها
الملتهب لأولادها الستة! فأقول لها: (يالك من امرأة! إنها فرصة للهروب من هذه الشرذمة
التي تصيب أي سليم بالمرض وأي عاقل بالجنون... دعيهم ليتعلموا كيف يعتمدون على أنفسهم,
فلعلهم يدعون حياة الهمج والتشرد التي هم فيها ويشعرون بشيئ من المسؤلية, فتعودي إليهم
فتجديهم قد تبدلوا بآدميين حقيقيين!) فلا تزال تضحك وتقنع نفسها بأن هذه واحدة من ومضات
الرحمة في حياتها وحياة أبناءها حتى تشربت الفكرة وراحت تقنع الناس بها!
بل الأعجب من ذلك أنها راحتْ تصنع بنفسها ومضات الرحمة,
فتراها تعدّ لمحدثها نعم الله عليها الواحدة تلو الأخرى, ورغم أن ذلك لا يُستغرب من
حفظة كتاب الله إلا أنه أعجبني وأثرّ في نفسي أيّما تأثير!
وحقيقة لقد رأيتُ منها صورا تثلج الصدر
في الصبر على البلاء, فقد عادتْ إلى المملكة وأحبتْ زيارة المدينة المنورة لشدة تعلقها بها, فأبيتُ إلا أن تنزل في
بيتي, فمرضتُها لعدة أيام, كنتُ أطعمها فيها الطعام بيدي وأسقيها الشراب بيدي, وكم
كانت سعيدة بذلك وتكاد ترفرف من السعادة.
لكنني ومع عنايتي بها كنتُ لا أرحمها
من مقالبي التي ترسم البسمة في قلبها, كأن أقوم مثلا لأساعدها للذهاب إلى الحمام (أعزكم
الله) وقد كانتْ لا تستطيع المشي بمفردها, فإذا ما خطوتُ بها عدة خطوات تركتُها في
منتصف الطريق!! ورحتُ بهدوء أجلس باسترخاء على أحد المقاعد أتفرج عليها, وهي تصرخ وتنعتني
بالخيانة تارة وتدعو لي بالهداية تارة أخرى, حتى استطاعتْ أمام إصراري أن تعاود الاعتماد
على نفسها في المشي, وقد كانت في قمة سعادتها بهذا الإنجاز! وكنتُ أنا في غاية التعجب
من سعادتها بأشياء بسيطة كهذه وهي تعلم أن آخر التقارير الطبية تؤكد انتشار المرض في
مخها ورئتيها وصدرها وعمودها الفقري!!! عجبا لها ولإيمانها!!!
ذات مرة أعيتني وأعيتْ أمها في تناول
الطعام, فشحذتُ همتي ورتّبتُ كلمات قاسية أصفعها بها لعلها تستفيق فلا تستسلم لليأس,
فوقفتُ بجوار فراشها وأنا غاضبة ثم انفجرتُ قائلة: أتعلمين أنت ماذا تنتظرين؟؟ فقالت
بتعجب: وماذا أنتظر؟!! قلت لها: أنت تنتظرين الموت ولا شيء غيره أليس كذلك؟؟ لقد يأستي
من رحمته؟ أليس هذا ما تخبئينه في صدرك؟ لم الاستسلام؟؟ ورحت أصوغ جملا مشابهة لا أذكرها.
وحين توقفتُ رأيتُها قد أطرقتْ برأسها قليلا ثم رفعتْ إلي وجهها وقالتْ: كلا والله
إني ما أنتظر زحف الموت إلى أطرافي كما تدَّعين... بل أنتظر زحف الحياة لها!! وفي كل
صباح أراقب أطرافي على يقين أن الله سيشفيني. وإني والله لأسمع البُشْرَيات تلو البشريات
عن أناسٍ عافاهم الله من ذات المرض بقدرته التي أعجزتْ الأطباء = وأعتقد جازمة أنني
سأسطر قصة مشابهة بإذن الله!. ثم اغرورقت عيناها بالدموع وهي توزع نظراتها في كل شيء
إلا عيناي ثم قالت: ما يشغلني هو هل الله راض عني أم لا؟؟
بالطبع عقد لساني أمام كلماتها, وتبعثرتْ
الكلمات المنتقاة التي أعددتُها في ذهني وتصاغرتْ أمام كلماتها, وخررتُ أطوي ركبتاي
في مدرستها منصتة انصات التلميذ لأستاذه, ورحتُ أرقب بتعجب هذا اليقين وهذا التفاؤل
الذي يتفجر أنهارا من فراشها!!.
عودتني صديقتي هذه أن تقرأ كل ما أكتب, وكانت تشجعني
على نشر كتاباتي ورواياتي, وكنتُ للتو قد سجلتُ في ملتقى أهل التفسير, فباركت لي هذه
الخطوة المباركة وتمنتْ عليّ ألا أدع الكتابة الدعويّة أبدا. ثم فكرنا معا في مشروع
كتابيّ خاص بها يُنشر على الإنترنت على شكل رسائل عنوانها: رسالة إليك من مريضة بالسرطان!!
ولكم أن تتخيلوا روعة روحها وهي تختار هذا العنوان بكل بساطة وأريحية كما لو أنها تتحدث
عن أحدهم لا عن نفسها!! ثم ما أعظم حبها ورغبتها في نفع الناس!.
المهم أننا حاولنا ترتيب الفكرة أكثر وسهرنا معا
لأجل ذلك, هي تفكر وتعبر عما في داخلها, وأنا أسجل أفكارها وأُلبس الأفكار حلّة من
الكلمات الأدبية التي تجعل منها رسائل مؤثرة وبديعة!.
وحقيقة لا أدري كيف كنتُ أتمالك نفسي
كي لا أنفجر في بكاء هيستيري وهي تملي عليّ الفكرة تلو الأخرى. ...أحيانا كنتُ أنسل
خفيَة منها لأتوارى عن نظرها فأنفجر منهارة في ركن قصيّ, أو أُفجر مخزون كبتي وحزني
بين يدي زوجي (حفظه الله) وهو يحاول أن يدعمني في هذه المحنة القاسية على قلبي. وكان
من تلك الأفكار التي أملتها عليّ صديقتي:
*لا تيأس من رحمة الله فالشفاء آتٍ
بإذن الله.
*لا تيأس من رحمة الله فلعل الله أراد بك خيرا.
*لا تُسلم أذنيك للأطباء ولا تنتظر
أن يقدموا لك شيئا, ولكن سلّم قلبك وكل جوارحك لله وانتظر الشفاء منه وحده.
* انظر إلى نعم الله فما أكثرها حولك! وأكثر من شكر
الله يزدك من نعيمه ويصرف عنك البلاء!
*يا أيها الأبناء بروا آبائكم فوالله
مارأيتُ أرحم من أمي عليّ في محنتي هذه!.
*يأيها الإنسان اعمر ما بينك وبين
الله فليس ثمة إنسان يشعر بك وبآلامك مهما بدا لك ذلك, لكن الله أقرب إليك من كل البشر
وأرحم بك منهم جميعا.
هذه جملة مما كتبنا, ولا يتسع المقال لأن آتي عليها
كلها. لكنها كانت ـ كما لا يخفى عليكم ـ ومضة رحمة شغلها الله بها!.
المهم أن صديقتي هذه عادتْ إلى زوجها
وأولادها في مدينتهم التي انتقلوا إليها وكم كانت سعيدة بذلك, لكن المرض اشتد بها,
ومرتْ عليها أحداث وأحداث ثم اضطرتْ لدخول المستشفى... ومن هناك كانت تطلب زيارتي بإلحاح,
وكلما حدثتني كانتْ تحكي لي مواقف سعيدة جمعتنا لا أدري ما الذي ذكرها بها وهي حيث
هي؟! وكان مما ذكرتني به: محاولاتها المضنية لإضحاكي في دورة من الدورات التي كنتُ
أدرّسها لمعلمات القرآن الكريم قبل سنوات, وكنتُ قد فوجئتُ بها قد سجلتْ فيها, بل وطلبتْ
أن تكون في فصلي بالذات. فأخفينا أمر صداقتنا وجيرتنا عن الإدارة والطالبات, إلا أنها
ما تنفك تحاول إضحاكي خفية بحركاتها وتعليقاتها أثناء الدرس, وأنا أتمالك نفسي بجهد
جهيد لألى أسقط هيبتي أمام طالباتي, فإذا ما ركبنا السيارة وابتعدنا عن المكان انهلتُ
عليها بضربات لا تعرف لها أولا من آخر.
كانت تذكرني بالكثير من هذه المواقف ولا أملك حيال
ذلك إلا أن أعدها ـ كاذبة ـ بأننا سنعيد هذه الذكريات الرائعة بإذن الله! وهي كانت
مقتنعة ومؤمنة أننا سنفعل ذلك. بل كانت تقول: بأنها ستزف بناتها حين يكبرن لأزواجهن
بإذن الله وسأكون معها يدا بيد, تقول هذا وجسدها يذبل يوما بعد يوم!!
فما أجمل التعلق بالأمل!! وما أجمل استدعاء ما يسعد
النفس من الذكريات, وما أروع وضع الخطط المفعمة بالأمل للمستقبل رغم ألم الواقع المرير!
ما أجمل بشاشة المريض وحبه للناس وحرصه على نفعهم حتى في أصعب لحظات حياته! أقول هذا
وهناك ـ للأسف ـ مرضى بأمراض أبسط من هذا المرض لكنهم يثيرون ضجة وقلقا ويأسا فيمن
حولهم كأنهم يريدون تعذيبهم وقتلهم معنويا معهم... فترى من حولهم هم المرضى المعذبون!
ومريضهم لا يشعر بهم ولا يشفق عليهم!
إلى هنا انتهى الشاهد من القصة, لكن
بقيت تتمة لابد منها لمن أحب أن يعرف بقية القصة: حين ازداد الألم على صديقتي في المستشفى
انتزعتُ من زوجي وعدا بالسفر إليها بعيد أيام رغم انشغاله, لأنها صارت تلح في طلبي
وأنا لا أطيق تركها في محنتها هذه, وسفري إليها حتما سيفرح قلبها وسيرسم الابتسامة
على محياها.. لكن قدَرُ الله لم يمهلني حتى أبلغها بخبر مجيئي لزيارتها.. فقد أذن الله
بقبض روحها الطاهرة وقبض جزء من روحي معها. فرحمها الله رحمة واسعة, وحفظ أولادها وزوجها
وعوضهم عن فقدها بكل خير.
فهلا ترحمتم أيها الكرام ـ مشكورين
مأجورين ـ على صديقتي الغالية فقد كانت عبيرا يعبق بشذى الطهر في سمائنا, وكانت ومضة
رحمة في حياتي أنا شخصيا في حياتها وفي مرضها وفي وفاتها.
فرحمك الله يا عبير!.
أسأل الله أن ينفع بما سطرتُ.
حرر ونشر في 2 مارس، 2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق