حينما يهل علينا موسم الاختبارات بأجواءه
المكهربة الكئيبة؛ تمر بذاكرتي بعض المواقف التي يصعب أن تمحى من الذاكرة. ولعل منها
موقف عصيب وطريف في نفس الوقت, يتجلى فيه توفيق الله الذي يفوق مخرجاتنا المادية الهزيلة!
ففي اختبارات السنة الثالثة في الجامعة,
كان علينا اختبار مادة (ترجمة إعلامية) وهي مادة باللغة الإنجليزية , وكانت صعبة جدا
نظرا لنبوغنا في اللغة الإنجليزية!! , وزاد على تلك الصعوبة أنني كنتُ على وشك ولادة
مولودي الأول , ومع ذلك جازفتُ وحضرتُ جميع الاختبارات رغم نظراتِ الاستغراب التي كانتْ
تلاحقني, وقد كانتْ لي صديقة مخلصة تساعدني وأساعدها , ونصنع معا مصيرا واحدا نشترك
فيه بحرصنا على مذاكرة شيء واحد وبنفس الطريقة.
وفي لجنة الاختبار انتظرتنا مفاجأة
كبرى وقاصمة للظهر , حيث جاء سؤال واحد مما ذاكرناه؛ من أصل أربعةِ أسئلة كلها من خارج
المنهج. وفور استيعابي للفاجعة ودون إضاعة أي وقتٍ.. انهرتُ مباشرة وبكيتُ؛ وكدتُ أنسحب
من الاختبار قبل أن أستل قلمي من غمده وورقتي أمامي بيضاء ناصعة البياض لم أخط بها
خطا واحدا. بينما صاحبتي ترمقني وتواسيني بدموعها الصامتة. وكأني بنا وقد استشرفنا
النتيجة المحتمة لهذا الاختبار العاري من العدل والرحمة.
وبعد مرور بعض الوقت حاولتُ إيقاف
سيل دموعي المنهمر بلا توقف؛ وتمالكتُ نفسي بعد أن أكثرتُ من الدعاء والاسترجاع والاستغفار,
وقد عزمتُ على تقديم اعتراض على مستوى الاختبار أدوّنه على نفس أوراق الإجابة. فشرعتُ
أكتب باللغة العربية خطابَ استعطافٍ؛ حُقَّ أن يكون الأغربَ في بابه.
فلقد شحذتُ فيه طاقتي الأدبية والعقلية
والنفسية, فنسجتها بلون الحداد, فقدّمتُ حروفي على طبقٍ من الدراما المبكية , ثم أسهبتُ
في شرح صعوبة المادة كما لو أنني أصف نصا من طلاسم الهيلوغرافية الفرعونية القديمة!.
ثم عرّجتُ على حالي مُلمِّحةً بأن صدمتي في هذه المادة قد تسبب لي ولادة مبكرة (رغم
أنني في أواخر شهري التاسع !!) وإذا حدث هذا فالله وحده أعلم بماذا سأدعو في وقت المخاض
وعلى مَنْ ؟؟!!!!!...
فأتتْ رسالتي متضمنة ترغيبا ظاهرا
وترهيبا خفيا. ثم لازلتُ أصّفُّ كلماتي وأنقحها؛ وأزينها بجملةٍ من الصور البلاغية
البديعة, حتى لكأني رأيتُ دموع قارئها (دكتور المادة) وقد سالتْ على أسطري, فأشفقتُ
عليه ورحمته, واكتفيتُ من إنهاك عاطفته بالمزيد من الاستعطاف حتى لا ينقلب الأمر بعكس
ما أرجو وأتمنى.
وفي أثناء انشغالي ذلك حانتْ مني التفاتة
إلى صديقتي تلك؛ فرأيتها تراقبني وقد فُغر فاها ( تظنّ أن بركة من السماء رحمتني فجاءني
وحي بالإنجليزي !!) فلما قرأتُ حديث نفسها على صفحة وجهها صعقتُ ولم أشعر بنفسي إلا
وقد شق صوتي هدوء تلك اللجنة وأنا أقول : (بأكتب فيهم شكوى, حسبي الله فيهم!!) فإذا
بأزواج من العيون تلتفتُ إليّ من كل حدب وصوب, ومن بينهم كانت المراقبة؛ فعالجتها بابتسامة
محببة؛ وعدتُ إلى ورقتي, ثم فتح الله عليّ واجتهدتُ قدر طاقتي في حل الأسئلة بشتى الوسائل
واللغات!!.
ثم لم أزل أدعو الله وأجتهد في الدعاء
: أن لا يذيقني علقم الرسوب المر أبدا.
ولما أعلنتْ النتائج كانتْ المفاجأة؛
فقد وفقني الله بنجاح لم أتوقعه , تقاسمتُ فرحته مع مولودتي الصغيرة, بينما جاءتْ نتيجة
صديقتي صاعقة فقد رسبتْ في المادة رغم أنها قد انتهجتْ نهجي فذيلتْ ورقة إجابتها باستعطاف
مشابه.
وهنا أدركتُ حقا أن توفيق الله يدرك
من توكل عليه وبذل جهده وطاقته وسلم أمره له, ثم أتبع ذلك بدعاءٍ خالصٍ تيقّن إجابته.
وقد مرّ على مسامعي قصصا تؤيّد أن توفيق الله إنما يصيب المجتهدين من حيث لا يحتسبوا,
ومنها ما يحكيه معالي الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي: أن رجلا قبل اختباره اضُّطر
فرافق والده في المشفى وانشغل به؛ ولم يفتح ملازمه إلا بعد الفجر؛ فقرأ منها بضع صفحات
متفرقة؛ فوفقه الله فلم تخرج أسئلة الاختبار عما قرأه.
ورغم اختلاف القصتين إلا أن العامل
المشترك هو توفيق الله الذي يناله مَنْ بذل طاقته وتوكل عليه حق التوكل. وقد ذكرتُ
قصتي هذه مع انتهاء الاختبارات لألى يسْتَنَّ بي أحد فيسيء فهم حكايتي هذه فيترك التوكل
إلى التواكل.
أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب
ويرضى.
18 يونيو، 2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق