الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

تعليمُنا.. وعبارةُ "هلْ منْ سؤالٍ؟"

(هل من سؤال؟)
عبارةٌ لابد وأنها قد ترددتْ على أسماعنا كثيرا حين كنّا طلابا, وترددتْ على ألسنتنا كثيرا حين أصبحنا معلّمين!
ولكثرة تكرارها أصبحتْ عاملا مشتركا بين جميع المعلمين والمعلمات, وخاتمةً لكل درسٍ... بل ولكل فقرةٍ؛ بغض النظر عن كونها سهلةً أم صعبةً, تسمعها باللغة العربية تارة (هل من سؤال؟) وبالإنجليزية تارة أخرى (any questions?)
وحتما ستسمعها بكل اللغات ...
ورغم أنها عبارة راقية تدل على اهتمام المعلم بطلابه, وحرصه على استيعاب الطالب لجميع المعلومات التي يشرحها. إلا أننا نود أن نقف عندها قليلا, لنغوص إلى أعماق القلة القليلة من المعلمين الذين ينطقونها كنوع من أنواع الروتين, وهم لا يقصدون معناها ولا يشجعون على مضمونها أبدا, نعم هناك نخبة رائعة من المعلمين الناجحين نجاحا باهرا في العملية التعليمية ولكن وجودهم لا يعني انتفاء وجود غيرهم ممن يمارس التعليم (كتمشية حال!) لذا فدعونا نخرج أسرار هذه العبارة من أعماق هؤلاء القلة بصراحة دون زيف أو تدليس.
الحقيقة الأولى: تُطلَق هذه العبارة وقائلها ـ من تلك الفئة ـ يتمنى من كل قلبه أن تكون الإجابة هي : (لا).
الحقيقة الثانية: تُطلَق هذه العبارة وخلفها عدد من العبارات الجاهزة للانطلاق فورا إذا كانت إجابة أحد الطلاب هي : (نعم)
و(نعم) هذه قد يصحبها في أحسن أحوالها تنهيدة حزنٍ؛ تفرّ من أعماق المعلم؛ فيسمعها الغادي والرائح؛ وربما يشعر بهزّاتها الارتدادية المدير في مكتبه!
الحقيقة الثالثة: في بعض الأحيان وقبل أن يستمع المعلم إلى سؤال الطالب قد تكون جملة من العبارات الجاهزة قد انطلقتْ من مدافع فمه وعينه نحو الطالب, فيتلقاه الطالب هو ومَنْ تسوّل له نفسه السير على خطاه من زملاءه على طريقة : (علمن يوصلك ويتعداك!), فتصل الرسالة ومعها لكمة اتهام ولوم, فترى المعلم يقول من بين أسنانه:
(أنا لم أقصر في الشرح, ولم أدع جزئية إلا وفصّلتُ فيها, فأين كنتَ؟!!) أو ( الدرس سهلٌ جدا ولا يوجد به أية طلاسم!), وربما يكون المعلم أكثر لطفا فيقول: (يبدو أنك لم تكن معنا في الشرح!) يقولها ومع ابتسامة صفراء أو سوداء (على حسب المزاج!)
الحقيقة الرابعة: في بعض الأحيان وبعد أن يطرح الطالب سؤاله ربما يحصل على الجواب بتعنيفٍ مبطنٍ, أو برفع نبرة الصوت بما يوحي بانزعاج المعلم, أو بإجابة تهكّميّة تجعل الطالب ينكمش على نفسه, وفي أحسن الأحوال سيبدأ جواب المعلم بعبارة: (لقد قلنا ... ونعيــــد ونكررررر أن ....الخ) مما يوحي للطالب أنه بليد, وقد لا يستمع الطالب إلى الإجابة أصلا؛ فتكرار الراء في كلمة (نكرر) التي قالها المعلم تجعل ذهن الطالب يستحضر فورا المثل الشهير : (التكرار يعلم الحمار) فيتراقص الحمار فجأة أمام عينيه, وقد يرفع يده ليتحسس أذني الحمار التي يراها معلمه وزملاؤه قد نبتتْ من مقدمة رأسه تماما كآخر فلم كرتونٍ شاهده!
إن تعليمنا لن يتقدم قيد أنملة لطالما هذه الصورة باقية في مدارسنا... لن يتقدم لطالما يقابلك معلم يفتخر بأنه ألقى درسه دون أن يُوَجَّه له سؤال واحد.
إن مفهوم السؤال الذي يطرحه الطالب فيعني إما اتهام المعلم لسوء شرحه أو اتهام الطالب لسوء فهمه لابد أن يتغير وأن يزال من أذهاننا. وعندما يأتي اليوم الذي يطرح الطالب سؤاله بشجاعة وثقة حتى لو لم يطلب المعلم طلبه المعتاد: ( هل من سؤال؟) هذا سيعني أننا نتقدم. وسيعني أن مستوى أسئلة الطالب ستنجب أسئلة إبداعية وذكية. وسيعني أن العملية التعليمية بأسرها سترقى نحو الأفضل.
ولن يتحقق ذلك إلا حين يكون المعلم مستعدا لأن يحضر درسه من أكثر من مصدر وبشمولية وإبداع, مع الاستغناء عن النقل الحرفي من الأوراق البالية المحشوة بالأفكار المستهلكة التي بُعثتْ من مقابرِ دفاترِ تحضير جده (رحمه الله!)؛ وحينها سيعني ذلك أننا سنتغير, بل وسنودِّع الكثير من الجمود الذي غلف التعليم في بلادنا.
...بالفعل سنتقدم حين يكون من بين إجابات المعلم على أسئلة طلابه عبارة: ( لا أعلم , ولكني سأبحث عن إجابة لسؤالك وسأوافيك بها غدا بإذن الله) يقولها المعلم لطالبه دون أن يعرق جبينه أو يحكّ رأسه أو تتيه نظراته وتنكسر؛ فإن حدث ذلك فسيعني أننا على درب التغيير سائرون. وسيعني أن الجيل الآتي سيكون مبدعا عبقريا بإذن الله.
وحقيقة أتعجب لِمَ نشجع الطفل على طرح الأسئلة التي تدور في رأسه الصغير حتى يكبر رأسه هذا وينضج بسرعة؛ وحين يكبر نكرر على مسمعه عبارة (أرجوك بدون أسئلة) (لا مجال لطرح الأسئلة) (هكذا هي الإجابة ولا تسأل لماذا وكيف) ثم نبتهل إلى الله أن يصمت!
هل هو الخوف من أن يكبر أكثر فأكثر حتى يتعدى عقولنا نحن الكبار فتنقلب الموازين؟ أم هي أنانية في عقلنا اللاواعي تفرض علينا أن نبقى نحن الأفضل؟ أم أنه جهل غير مقصود لابد من إزالته فورا, فنهضة الأمم وثروتها الأغلى هم أطفالها وشبابها, ومتى كانوا ناضجين كان المجتمع بأكمله دائر في فلك نجاحاتهم المبهرة. مفتخر بهم ومصدِّرٌ لإبداعاتهم واختراعاتهم للعالم بأسره.
فمتى يدرك المعلم أن المفتاح بيده, وأن المستقبل المشرق رهن نجاحه وإبداعه في عمله؟

نشر في 9 إبريل 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق