الاثنين، 18 أبريل 2016

أيّها الماهِرُ بِالقُرآنِ كُنْ حيًّا حِينَ تَمُوتُ!!



تنتابني موجة من القشعريرة حين أسمع الآيات تنساب بصوته الندي عبر الأثير, وقفاته ونغماته.. طلوعه في المقامات ونزوله, واستفهاماته وجواباته, بل وأنفاسه كلها = تأتيك حيّة مع الآيات, وكأنها بثٌ مباشرٌ له!, وكأنه يتلوها في هذه اللحظة!!.
ومنذ يومين وبعد انتهاء تلاوته في إذاعة القرآن الكريم؛ إذْ بالمذيعِ ينوّه إلى أن صاحب هذه التلاوة توفي فجر اليوم وانتقل من عالمنا إلى عالم الأموات, حتى أنه لم يدفن بعد!!
أي موطن ستخترقه فيك سهام خبر كهذا بعد استماعك واستمتاعك بتلاوته منذ لحظات؟؟
هذا الحي الذي سمعته؛ قد مات منذ قليل!!
أنا لستُ أتحدث عن الموت الذي يباغتُ الأحياء فينا فيصدمنا بخطفهم.. كلا, ففي حياة كلٍ منا عزيز اختطفه الموت وأوجعه فيه حد الانهاك, لكني أتحدث عن ميّتٍ وفي أثناء غسله وتكفينه والصلاة عليه كانت وسائل التواصل الاجتماعي تصدح بصوته هو.. وبتلاوته هو, واستمر ذلك أثناء دفنه, بل وفي ذلك الوقت الذي آتاه فيه الملكان للسؤال!!.
فهل التقطتَ هذا الشعور العجيب الذي شعرتُ به حين سَرَت الركبان لدفن الشيخ محمد أيوب (غرِّيدُ المسجد النبوي الشريف) بينما العالم كله في ذات اللحظة يستمع إلى صوته؟!
هل سرتْ في جسدك ذات القشعريرة التي تصيبني كلما تخيلتُ الهوة السحيقة التي فصلتْ بين الصوت وصاحبه؟؟
عالمان متباعدان.. عالم للأحياء فوق الأرض, وعالم لأحياءَ سجناء تحت الأرض, نعم أحياء سجناء تحت الأرض!.. أليست الحياة هناك تبدو هكذا؟!
لازال صوت الشيخ محمد أيوب بالمقام الحجازي المحبب إلى قلبي ينساب إلى مسامع الدنيا ولا يتوقف..
ما معنى الموت إذن إن كان الرجل يحيا بيننا ويصدح بخير كلام على وجه البسيطة؟
ليس هناك منصة تبث القرآن على وجه الأرض ـ تقليدية كانت أو حديثة ـ إلا وتضم صوته البديع ضمن أصوات قرائها, وبالتالي لا يتصور أن صوته الندي لم يدخل إلى السواد الأعظم من بيوت المسلمين الحرصين على أن تصدح بيوتهم بأصوات قراء القرآن الكريم في كل وقت وحين.
فقل لي بربك هل مفهوم الحي والميت لازال هو هو في نظرك؟
نعم هناك قراء كُثُر ماتوا وخلفوا لنا أصواتهم الجميلة تتلو القرآن, وهناك مشايخ خلفوا دروسا ومحاضرات؛ لكن موت الشيخ محمد أيوب وقربنا من الحدث وتفاصيله, ونقل صور الجنازة والعزاء والدفن عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي نقلت أيضا مشاعر الناس من مشارق الأرض ومغاربها بكثافة؛ كل ذلك جعل استشعارنا وتأثرنا بوفاته قد ترك أعمق الأثر في نفوسنا.
إن تعابيري عاجزة حقا عن وصف شعوري, لكني توصلت إلى قناعة, وبها أنادي كل قارئ متقن للقرآن, وكل شاب ماهر حافظ لكتاب الله, أنادي إخوتي ومعارفي ممن يتحقق فيهم الاتقان.. أن سجلوا أصواتكم بآيات القرآن حتى وإن بدت لكم أصواتكم متواضعة وليست جميلة, فليس شرطا أن يكون صوتك رائعا كي تسجله, استمع لأصوات المشايخ في إذاعات القرآن الكريم المختلفة؛ هل كل الأصوات جميلة لافتة؟؟ هل كل تلاوة أثرت في مسامعك وتسللت إلى قلبك وأوصلت لك الآيات ومعانيها؛ كانت بصوت بديع متمكن؟؟!
إلى متى ننشد الكمال الشكلي حتى نعجز عن ما هو أهم؟؟!
فدعك من الصوت وبساطته وسجل القرآن مستحضرا قلبك, عش معانيه واستشعرها, فوالله ما تتلوه وأنت تستشعر معانيه وهداياته؛ لابد وأن ينتقل إلى السامع فيرقق قلبه ويدفعه للتدبر دفعا.
فسجل ـ أيها الماهر بالقرآن ـ آياته بنية احياء صوتك به, فإن كنتَ تدرك أنه لن يصل إلى مستوى أن يبث في الإذاعات؛ فانشره بين أهلك وصحبك وأحبتك, فإن استحييت أن تفعل؛ فدعه وصية بعد مماتك, وقل لورثتك أن ينشروه ويوزعوه في أقاصي الأرض, ولا تعجز عن تحقيق هذا الهدف بالكلية, فكل السبل صارت ميسرة للتسجيل في زماننا هذا, فقط اعزم وتوكل على الله, فلعل الله أن يبارك لك في القليل, وها أنت ترى بنفسك كيف أن الشيخ مات وصوته باق, وقبله من القراء ماتوا وأصواتهم لازالت حية, فماذا تنتظر أيها الماهر بتلاوة كتاب الله؟ ماذا تنتظر يا حافظ القرآن؟ اترك بيدك صدقة جارية عن نفسك, فلعل الله أن يرحمك بها.. ولعل الله أن يتجاوز عن سيئاتك وتقصيرك بآية منها.
فرحم الله شيخنا وقارئنا وغِرِّيدُ مسجد رسولنا , ورزقنا الله وإياكم حسن الخاتمة, وجمعنا وأحبابتنا في مستقر رحمته.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


حفصة اسكندراني

الثلاثاء، 12 أبريل 2016

سألني: زوجتي لا تحب القراءة أبدا.. فماذا أفعل؟!



راسلني أخ فاضل (أحسن الظن بي وإن كنت لا أعرفه) على بريدي قائلا :
اختي الفاضلة أنا موظف ومتزوج منذ أكثر من عشر سنوات, وزوجتي تحمل شهادة المرحلة الثانوية فقط، ومشكلتها أنها لا تحب القراءة أبدا، وكأن بينها وبين القراءة عداوة أبدية، رغم أني حاولت معها بشتى أنواع الطرق.. لكن للأسف كلها فشلت, وعندما بدأت اقرأ مقالاتك في منتدى أهل التفسير حاولت جذبها لتقرأ لك وتتعرف عليك خاصة وأنها تذهب إلى مدارس التحفيظ.. (وهو نفس مجال تخصصكم)، ويعلم الله يا أختي الفاضلة كم أنا شاكر لك، فلقد استفدت من كتاباتك بشكل كبير على الرغم أنني لم اقرأ لك إلا منذ ما يقارب الشهرين, وأنا أريد على الأقل توجيهاتك لي أنا أولا عن ما هي الكتب التي استفدتي منها وزودتك بهذا الأسلوب الجميل في الكتابة؟ وتوجيهاتك لها هي؟

انتهى كلامه..
فكان مني هذا الرد:

حياك الله أخي الكريم.. ووفقك
وأعتذر عن تأخري في الرد لانشغالاتي التي لا تكاد تنتهي حتى تتكاثر وتحتشد!!
 شغلنا الله وإياكم بطاعته، وبعد..
أولا وقبل كل شيء.. تأكد يا أخي الكريم أن الحياة مع امرأة مثقفة (قارئة.. كاتبة أو شاعرة) ليست عيشة سعيدة هانئة على ما تظن, بل قد تكون حياة ضنكا، حياة جافة لا جمال فيها ولا روح!..
فاشمخ فخرا بزوجك حتى وإن كانت لا تحب القراءة.. فما أدراك لو أحبتها وعشقتها حتى أذهلتها وذهبت بلبها.. فاستعذبت مذاق نبيذها وأدمنت احتساءه الكأس تلو الكأس.. ما أدراك لو حدث ذلك أن تزدري حينها زوجها وثقافته؟ وعيشها وبساطته؟ حتى ترى ثقافة زوجها ضحلة لا تتناسب مع طموحاتها، وتعابير حبه سمجة بسيطة لا ترضي ذائقتها.. مهما تشدق بحلو الكلام وحاول أن يزينه لها ويجمله، وقد تصل الزوجة إلى الحد الذي تزدري فيه حياتها مع ذلك الزوج وتزهد رتابتها وبساطتها..
فاحمد الله أيها الزوج على أنعم الله التي أنعم بها عليك, وشجع زوجتك على قراءة وحفظ خير كتاب، ولا تستهن بإقبالها عليه وانشغالها به.. ففيه عزها ورفعتها، ونجاتها وفلاحها، وهو مقوم للسانها، ومنبع أصيل لفكرها وثقافتها، وهو تاج فخر لمن انشغل به، وأبحر في علومه ودقائقه.. فهو كتاب يجذب النفس ويبهرها, ويغذي الروح ويأسرها, ويطلق العقل بالتأمل والتفكر, والتّروي والتّدبر, ويحرّره من أغلال الجهل وزنازين الخرافات.. فيه جوامع الكلم، وجوامع السّير, وجوامع الإعجاز, وجوامع الهدي والأخلاق، وجوامع كل رقيّ وفلاح.
لذا اصرف اهتمام زوجتك إليه بقوة.. ودعك أيها الزوج الفاضل من دفعها للقراءة مادامت لا تقبل عليها بمحض إرادتها, ولا يحركها شوق نابع من أعماقها للاختلاء بكتاب.. فثمة عادات لا نستطيع اكتسابها ولا تنميتها على الوجه الصحيح إلا إذا أشعل جذوتها رغبة داخلية نابعة من أعماق نفوسنا !.
وإني لألفت انتباهك أيها الزوج الفاضل لأن تتأمل في جمال ما تملك هذه المرأة, ودعك مما ينقصها.. فهذا نقص لا أعترف به أنا شخصيا, ولست أرى أن لتمكني من الكتابة (هذا في حال افترضنا جدلا أنني أجيدها بالفعل).. لا أرى في ذلك = ميزة لي على الأميات من الزوجات, فكيف بزوجتك المتعلمة خريجة الثانوية؟؟!!
إن الحياة الزوجية الدافئة الناجحة يا أخي الكريم منظومة أخرى.. لها أسباب نجاح عميقة لا تعرف السطحيات، قد تجدها بين اثنين جاهلين تحت خيمة في صحراء أوثق عرى منها في بيت مثقف يحمل أهله أعلى الشهادات!
فدع القشور لأهلها وانشغل بما حباك الله تحت القشور من هبات.

وحقيقة لقد سعدت يا أخي الكريم برسالتك وباهتمامك بأمر زوجتك.. وهذا إن دل فعلى مودة ومحبة تخفيها لها في صدرك.. وإني لأسأل الله أن يرفع قدركما ويزيد محبتكما.

(انتهى الشاهد الذي أردت نقله من هذه الرسالة بعد تصرف وإعادة للصياغة وتغيير طفيف في معلومات السائل).

بنت اسكندراني
حرر 25 جمادى الآخر 1437ه

الأربعاء، 30 مارس 2016

قالت لي منفعلة: للأسف أنت لا تعرفين الرجال إذن!

قالت لي منفعلة: للأسف أنت لا تعرفين الرجال إذن!
قلت بهدوء: نعم صحيح، كلامك صائب إلى أبعد حد، أنا حقا لا أعرف الذئاب البشرية التي تتحدثين عنها ولم أصادف واحدا.. والسبب أنني محاطة بنخبة رجال هم من أرقى البشر في زماننا هذا.. فلم التقي في حياتي برجل منحط خسيس مستغل جشع مهين للمرأة.. إلا واحدا، وقد كان ذلك منذ زمن، وقد اعتبرته شاذا عن كل الرجال، وأرجعت محاولاته لتحريري من قيود الالتزام = لفكره اللبرالي المتشدد، وباستثناء هذا الرجل لم أعرف غير صور هي غاية في النقاء والروعة..
فهناك أزواج أخواتي، وإخوان وأصدقاء زوجي، وزملائي في الدراسة والعمل، وأصدقاء والدي (رحمه الله)، ومعارفنا.. كلها نماذج راقية تبعث في نفس أي امرأة الشعور بالأمان، حتى يكاد يستقر في نفسها أن هؤلاء الرجال هم بمثابة اخوة لها.. نعم تتفاوت اخوتهم وصدقهم ونقاء قلوبهم، لكنهم يبقون صورا لا تشبه الذئاب بأي حال.
فلا تلومي جهلي بعالم الذئاب البشرية الذي تتحدثين عنه!

قالت بمرارة: ربما لأنك محاطة بأهل القرآن!

فصمتُ طويلا ورحت أتأمل واستعرض أغلب من أعرف.. ثم وجدتني أقول لها:
صدقت والله، ربما هذا السبب إذن!

وباستطراد أضفت:
لكن ثمة سبب آخر يسهم في صنع هذه اللوحة المثالية النقية في عيني.. ألا وهو أن المرأة المتزوجة هي أكثر النساء شعورا بالحرية الآمنة.. ثمة حريات غير آمنة تلقي بصاحبتها في غابة متنوعة المخاطر والأشراك.. غابة يسكنها أصناف من السباع والوحوش، سواء أكانت تمارس حريتها هذه في كنف أب أو أخ أو كانت مطلقة أو أرملة.. وتلحق بهؤلاء المرأة التعيسة في حياتها مع زوج سيء التعامل أو ربما زوج غيور شكاك.

أما المرأة التي تتمتع بالحرية الآمنة؛ تجدينها تنطلق في دراستها الأكاديمية لتحصل أعلى المراتب، وتلك التي تدير تجارة او أعمالا؛ تجدينها تبدع في مجالها ولربما تنافس الرجال حولها بكل جرأة وثقة، وهي دائما ما تحسن التعامل مع أساتذتها ومدرائها وزملاءها في المجال الذي تنخرط فيه.. بل وتشعر بقدر هائل من الحرية والأمان بينهم لأنهم يعاملونها باحترام بالغ وأدب جم.

لكن أتصور أن هذا الاحترام وهذه المثالية لا تستمر لها هكذا على الدوام!!. لأنها إذا قدر الله عليها بأن طلقت أو رملت فستشعر أنها كمن جردت من دروعها في ساحة وغى، وإذ بالرجال الذين عاشت بينهم آمنة مطمئنة تتساقط عن وجوههم أقنعة البراءة والوداعة، الواحد تلو الآخر، لتكتشف المسكينة أن غالبية هؤلاء يمتلكون مخالب الوحوش..

قلة فقط منهم من سيبقون سندا لها، وكتفا قوية تستند عليها في الملمات، تأمن في وجودهم كما تأمن في وجود محارمها، قلة هم من سيبقون على رجولتهم, ونخوتهم, ووفاءهم, واخلاصهم.

ولأني بفضل الله لم أجرب أن أفقد حريتي الآمنة تلك حتى هذه اللحظة؛ لذا فأنا حقا أرفل في جنان الحرية.. فمثلا ها أنت ترينني أطلق قلمي أينما شئت لأكتب عن الأدب وعن الجمال, أحلق في بحر سطوري جادة تارة, وتارة أخرى ساخرة متهكمة, وترينني أنسج من النثر بوح العشاق، وأغازل بمدادي أذواق الأدباء, أفعل ذلك بحرية لا يحدها سوى سياج من تقوى الله ومراقبته، ولا أحد يهمني بعد ذلك, فمساحات الحرية الممنوحة لي لكوني متزوجة من رجل رائع ناضج متفهم هي مساحات رحبة آمنة بفضل الله.


 لكنني أعتقد جازمة أنني لو فقدت هذه المكانة ـ لا سمح الله ـ فحتما لن أكون أنا أنا, وأظنني سأعتزل الناس, وسأتوارى عن الأعين مخافة أن أرى الأقنعة تتساقط من على وجوه أثق فيها وأجلها، وأكاد أجزم أنني سأهجر الكتابة التي أعشق.. إلا إذا كانت كتاباتي جادة حد الألم وحد السيف الصارم, أو ربما سأضطر لأن أكتب ما أحب ولكن بأسماء مستعارة..

لكن حفصة التي تعرفين لن تعود كما تعرفين.. عافانا الله من كل بلاء وفقد ومصيبة.

بنت اسكندراني
21 جمادى الآخر 1437هـ

الاثنين، 29 فبراير 2016

أَرْقَى العِلَاقَاتِ..

أصعب العلاقات وأكثرها تعقيدا هي تلك التي بين بني البشر بعضهم بعضا, ذلك لأنها محكومة بعادات وعقليات متفاوتة في الفهم والإدراك, وموكلة إلى نفسيات متقلبة هي غاية في التعقيد والغموض, لذا تجد الخطأ في حق أحدهم مشكلة كبرى قد لا تُغتفر, وقد تقضي الزلة الواحدة على أجمل العلاقات, فتشقي قلبين, قلب لم يتوقع الخطأ من صاحبه, لذا جُرح كبرياؤه حتى النخاع, وقلب مخطئ يدرك فداحة خطئه, فتراه يكد ويشقى من أجل محو هذا الخطأ والرجوع الى ما وراءه لاستعادة العلاقة بينه وبين الطرف الآخر, قد ينجح وقد لا ينجح, وقد يبقى طوال عمره يستجدي الغفران ولا سبيل إلى ما يشتهي.

أما علاقتنا مع الله ـ  ـ فهي من أرقى العلاقات, فليس ثمة خطأ لا يغتفر, كل خطأ ـ صغر أم كبر ـ له ما يمحوه, وخلفه طرق للعودة, ومحطات للبدايات, ودروب للانعطاف إلى الطرق الرئيسية, وثمة أثواب تُنزع وأثواب نقية تُمنح, ليس بها من شوائب الماضي شيء, ذلك لأن الله ـ  ـ رحيم بعباده.

وكلما زادت الرحمة في قلوب بني البشر على بعضهم كلما توطدت علاقاتهم وازدادت تماسكا, لذا لا عجب أن تجد الأم ـ وهي التي تُعد نموذج الرحمة البشري في حياة كل منا ـ تمنح أبناءها أكثر العلاقات دفئا, ذلك لأنها تعفو وتصفح, وتمحو الزلات ما استطاعت, وتمنح أبناءها فرصا تلو الفرص, لكن يبقى أن لهذه الفرص نهايات, تتفاوت من أم لأخرى بسبب بشريتها القاصرة عن الكمال.

لذا يمكننا أن نستنتج من آيات وأحاديث التوبة صفة الرحمة لله, فبمجرد إدراكنا أن الله تواب؛ لابد أن ندرك أنه رحيم, فمن شرع بابه لكل مخطئ ولكل عاص ولكل مجرم أيا كان جرمه؛ ومهما تكرر خطؤه؛ إنما هو رحيم, ورحمته وسعت كل شيء.

فمسكين أنت يا من اتكأت على علاقاتك بالبشر, وضاعت حياتك وأنت متشبث بعلاقات تظنها سرمدية لا تتغير ولا تتقلب.. فهلا استدركت نفسك ووطدت علاقتك بأرحم الراحمين؟.

اللهم علق قلوبنا بك, واقطع رجائنا عمن سواك.. إنك سميع مجيب الدعاء.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الثلاثاء، 23 فبراير 2016

واكتملت أوراق البازل.. قصة طويلة بقلمي: حفصة اسكندراني ج5

أحداث الجزء الأول من هنا
وأحداث الجزء الثاني من هنا
وأحداث الجزء الثالث من هنا
أحداث الجزء الرابع من هنا
هاتف صديقه وطلب إليه أن يقدم سفره أسبوعا, وبالفعل نفذ مراده, وحين رآه رق له وأشفق عليه, ونصحه بتأجيل السفر حتى يتعافى, لكنه أصر على السفر فليس ثمة عافية ستلحق به في هذا المكان بعد الذي جرى, فساعده صديقه في حزم أمتعته وايصاله إلى المطار وهو لا يعلم حقيقة ما بداخله.. فقط شعر بأن معاولا لا مرئيا من الانكسار يعمل بلا كلل داخل هذا الرجل ليفتت كل ذرة من كيانه, حتى استحال شبحا صامتا خلال أيام, وها هو يتكأ بوهن على كتفه ميمما وجهه نحو الهروب الكبير..
وطوال رحلته وبعد وصوله وبعد ملاقاته لمندوب شركة ترتب رحلات المبتعثين حتى توصلهم إلى المسكن المتفق عليه سلفا؛ ظل هدفه الوصول إلى سرير يلقي بكاهله عليه بين جدران أربع لا يراه فيها أحد ليزيل قناع التماسك الذي بدأ ينصهر عن وجهه.
ومرت الأيام بطيئة رتيبة, التحق بالدراسة وقلبه لاه عنها, قلما يشد انتباهه حدث من أحداث الحياة, يمضي يومه كأنه معزول عن الناس وعن الحياة بمباهجها بغلاف زجاجي, بينما هو وجراحه وآلامه داخل ذلك الغلاف, وتحت قدمه تناثرت جثث أحلامه المؤدة التي لم يواريها التراب بعد, وداخل غلافه العازل هذا ثمة صراعات تجري يوميا, صراع بين الحب الأناني وبين الشهامة والمرؤة, تارة يغلب الأول منهما الثاني, وتارة يغلب الثاني, وسواء أنهزم الحب أم انهزمت الشهامة والمرؤة فإنه هو الجريح المتألم في كل الأحوال.. هو المنهزم المنكسر في كل الساحات, لا شيء يشغله عن تلك المعارك سوى دقائق يقضيها في صلاة خاشعة أو في تلاوة القرآن فيفتح له كوة في جسم ذلك الغلاف فيعرج من خلالها الى السماء ليحلق في عالم من الأنس والنور, فيحلق متخففا من همومه تاركا صراعاته الداخلية وراء ظهره.
وهكذا توالت الأيام وأخذت الحياة دورتها الطبيعية وتعاقبت الشهور, ومع تواليها بدأ يستفيق تدرجيا.. وبدأت تنقشع الكآبة من حياته, وبدت رؤية الكون والأشياء من حوله أكثر وضوحا في عينه من ذي قبل, حتى إنه أدرك بعد مرور 8 أشهر أنه لا يرغب في استكمال هذه الدراسة البائسة الثقيلة, لقد استفاق على زهد شديد فيها وفي كل ما حوله, مع رغبته شديدة في العودة الى الوطن, ليس شوقا إلى فتاته؛ فتلك المشاعر قد تغلب عليها منذ زمن حتى أنها لم تعد تسيطر على تفكيره, فحبيبته تلك ماتت في قلبه مذ اقترنت برجل آخر, وقد مضى وقت طويل على زفافها, ولا يُستبعد أنها تستعد لتجربة مشاعر جديدة تنتظرها كل عروس بفارغ الصبر ألا وهي الأمومة, لقد انتهى كل شيء.. واستمراره في الهروب ضياع لنفسه وكيانه, فشوقه لوطنه وأهله وأحبته يتضخم يوما بعد يوم, هو لم يكن يتواصل معهم, فقط شقيقته كانت حريصة على التواصل الدائم معه, وثمة اثنين من أصدقاءه المقربين, فحتى الصدقات تتكشف معادنها كلما زادت أميال المسافات الفارقة بين الأجساد مهما توفرت وسائل الاتصال والتواصل الحديثة.
كان اتصال شقيقته يعد بمثابة خنجر في دفاعاته إنها تحمل صوت أمه الدافئ, وأنفاس الماضي البعيد, وذكريات الصبا الجميلة.
 كان يحدثها كما الطفل الصغير.. وكانت تدرك حاجته لسماع صوتها ومعرفة أخبار أسرتها الصغيرة ليشعر بالأنس, فبعد ان لحقت والدتهما بأبيهما في العالم الآخر وهي تتألم لأجل وحدته وعيشه وحيدا بلا أسرة, لأجل ذلك كانت تجمع له المواقف المضحكة والطريفة التي تجري في عالمها لتقصها على مسامعها في نهاية كل أسبوع.
كانت تجعله يقهقه من قلبه, ولم تكن تدري أنها تسيل مدامعه أيضا في بعض الأحيان, لم يتجرأ ليسألها عن أحوال خالته تحديدا, لكنه فوجئ بها بعد 8 أشهر تتحدث عن وليمة أقامتها في منزلها لخالاتها ولأجل ذلك انشغلت عن الاتصال به, سألها بشكل آلي: وكيف حالهن جميعا؟
أجابت بمرح: كلهن بخير, لقد سعدنا باجتماعنا ولم يكن ينقصنا سوى أمي الحبية رحمها الله, وخالتي أم خالد.. حاولنا اقناعها بالمجيء لكنها لا تستطيع الخروج من المنزل كثيرا بسبب ابنتها شفاها الله وعافاها.
خنجر غادر مرق إلى قلبه على حين غفلة, وضع يده على صدره يتحسسه وكأن الطعنة حقيقية, ولماذا عليه أن يهتم؟ لماذا عليه أن يسأل إذا كانت أخته نفسها تجاوزت الأمر وشرعت تقص عليه ما حدث في اجتماع أقاربهما.. هل يعود ويسأل؟ هل يؤلم قلبه الذي تعافى وتماسك؟.. لعلها مرهقة تنتظر مولدها الأول في أشهر حملها الأخيرة, أو لعلها مصابة بوعكة صحية جعلتها تلجأ إلى أمها لتمرضها..
استفاق على صوت قهقهة أخته.. لا يدري عن أي شيء كانت تتحدث؟ حاول مجاراتها في الضحك, لكنه يجزم أنها أدركت انشغاله عن حديثها فخفتت نبرات حماسها, وعند أول نقطة صمت وضعتها, باغتها.. بل باغت نفسه بسؤالها:
ما بها ابنة خالتي.. تقولين أنها مريضة؟..
فأجابته: ألم أخبرك من قبل؟؟
وكانت المفاجأة..
مسكينة وفاء.. إنها.. 

انتهى الجزء الخامس
وفي الجزء السادس بإذن الله سنستكمل أحداث القصة..

همسة:


نصيحة لكل أب وأم... (ساخرة)

نصيحة إلى كل أب وأم تركوا أطفالهم ضحية لأجهزة التلفاز وقنوات الأطفال طوال ساعات يومهم أقول:
جرب يوما وأنت تمر من أمام التلفاز بينما صغارك مندمجون في مشاهدة فيلمهم الكرتوني المفضل؛ أن تقف أمام الشاشة فتسدها عليهم تماما, ثم بخيالك الخصب وسرعة بديهتك تلتقط طرفا من آخر حوار كان يدور في القصة التي يشاهدونها لتنسج أحداثا جديدة ساخنة تغيّر بها مجرى القصة دون أن تبالي أو تلتفتَ لأحداث الفيلم الذي يستمر عرضه خلفك...
فقط غيّر النهايات وانسج من خيالك أحداثا أكثر واقعية, وأكثر قربا والتصاقا ببيئتهم وواقعهم.
بالنسبة لي حين جربتُ فعل ذلك تحول أبنائي الهادئون المنسجمون مع أحداث الفيلم إلى كناغر برية يتقافزون يمنة ويسرة بغضب لمتابعة الشاشة خلفي ‏‎smile‎‏ رمز تعبيري
ولولا أدبهم واحترامهم لي باعتباري أمهم لرموني بكل ما تطاله أيديهم حتى أبتعد وأصمت تماما..
فقط ما أحزنني هو أن محاولاتي في التأليف وجذب انتباههم باءت بالفشل, ومع ذلك أنصح الآباء بهذه التجربة, فلربما تنجحون حيث فشلت أنا ‏‎smile‎‏ رمز تعبيري .. فأطفالنا لو وجدوا البديل منا لما التفتوا لهذه القنوات.
ودمتم سالمين!
بنت اسكندراني

الأحد، 31 يناير 2016

مداراتٌ وأقمارٌ... !

في قلب إعصارٍ عاصفٍ = تبعثرَ كياني..
لم أعدْ أبصرُ من الكونِ سوى دوائرَ ذلك الاعصارِ المتلاحقةِ..
اعصارٌ لا مرئيٌّ.. وحدي أنا من أبصره..
ووحدي أنا من صارعتُه وكافحتُ للخروج من أعماقه..

فلما خطوتُ خارج مرتكزِهِ = مترنحةً؛ هويتُ على الأرض أقيُّم خسائري.. وأبكي عند الغروب وحدتي وآلامي..
وهناك في ركن قصيّ عن ذلك الإعصار؛ انزويتُ بحذر أطبّبُ جراحاتي.

فلما جنّ عليّ الليل وتمالكتُ نفسي، والتقطتُ أنفاسي؛ قويتُ على الوقوف ثانية، واعتادت عيناي على التأمل والنظر, وتبينتُ معالم الكون حولي، حتى عادتُ اليّ بسمتي القديمة ثانية.. وحين خطوتُ خارج مخبئي إذا بكَ تبزغُ بدرًا في ظلماءِ سمائي, تشرقُ بهالةِ نورٍ مبهرةٍ لطالما أفقدتني صوابي, وعطلتْ بوصلتي, وشتتْ اتجاهاتي..
فإذا بي أذهل عن حذري وأنزلقُ مسحورةً في قلبِ تلك العاصفةِ التي لحقتْ بي ثانيةً..

وفي عمقِ اعصارِكَ لا تسلْ عني.. فهناك تتبعثرُ مشاعري, وتُنهكُ عواطفي, وتُنكأ جراح روحي..

فتراجعْ أيّها الكائنُ المحدقُ بي..
تراجعْ أيها المتسلّلُ إلى عالمي..
أتعلمْ؟!.. مأساتُك تكمنُ في أنكَ لا تُدركُ تأثيرَ تلك الهالةِ السحريةِ التي تحيطُ بكَ على من حولكَ.. ومأساتي تكمنُ في أنني أدركُ تأثيرها جيدا..
فدعني يا سيدي أهنأ بمداواةِ جروحي كيما أعيشُ.. دعني وحدي ما دمتُ تكتفي بالشروقِ على كوكبي من وقتٍ لآخر..
دعني وحدي ما دمتُ لا تجرؤ على جذبي إلى مدارِكَ الأزليِّ بجرأةٍ وحسمٍ.. فلكلٍ منا مدارٌ خاصٌ به, ولا أظنُّها ستتلاقى يومًا..
فدعنا نُوقفُ هذا الألمَ.. فلا الكواكبُ قدرَ لها أن تصيرَ أقمارًا، ولا الأقمارُ لها أن تدعَ مداراتِها لتسْتَرْوِحَ على الأرضِ!.. وإلى أن يحدثَ ما يغيِّرُ المستحيلَ؛ دعني وحدي بعيدةً عن تأثيراتِ المد والجزر التي تحدثُها بكوكبي لأكُنْ لك من الشاكرين.

بنت اسكندراني

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2015

من فوْقِ برجِ القاهرةِ الشاهقِ تعلمتُ درسًا..

الحياة حولنا ميدان للتعلم, وأنا وأنت.. ذلك الطالب النجيب الذي عليه أن يتعلم ويتعلم, فلا يمر علينا يوم دون أن نزداد فيه معرفة وخبرة بالحياة, وتظل الحياة تعلمنا وتصقل تجاربنا من المهد إلى أن تشيب منا الرؤوس, ومع ذلك سنظل جاهلين عن الاحاطة بعلومها ولو عشنا فيها ألف عام, فهي في كل يوم تتحفنا بالجديد حتى لو تكررت الأحداث وتشابهت, فرب زاوية تلهمك درسا لا تلهمه لك بقية الزوايا, ورب زاوية تلهمك درسا لا تلهمه لمن يشاركك النظر من ذات الزاوية.. إنها محض أقدار وهبات.

وإليكم درسا مهما بالنسبة لي علمتنيه الحياة:

اصطحبني زوجي ذات مرة وأنا حديثة عهد بزواج إلى أم الدنيا (مصر) للسياحة, وأراد أن يريني معالم القاهرة السياحية كلها دفعة واحدة قبل أن نفرد أجزاء منها بزيارات متفرقة, فأخذني إلى برج القاهرة الشامخ في سماءها, وقطعنا تذاكر الصعود لنشاهد أحياء القاهرة ومبانيها, ونهر النيل وهو يجري تحتها يغذّيها, فوقفنا في صف طويل رغم أن إجازة الصيف لم تبدأ بعد, ما يعني أن الزحام في الصيف سيكون خانقا لحد لا يوصف, وبعد وقت ليس بالقصير صعدنا مصطحبين حماسنا معنا في مصاعد البرج السريعة, بينما المرافق السياحي يمطرنا بمعلومات عن ارتفاع البرج وتاريخ بناءه, وكيف أنه يعد تحفة معمارية بناها المصريون على شكل زهرة اللوتس الفرعونية, وأنه يحتوي في أعلاه على جلسات وعدد من المطاعم و(الكفتيريات) لقضاء أوقات ممتعة داخل البرج.. الخ.

 كان جل تفكيري آنذاك.. هل ارتفاع البرج شاهق للحد الذي قد أصاب فيه بدوار يعكر علي حماسي لمشاهدة معالم القاهرة؟ وهل هذا البرج أعلى أم أسوار قلعة بودروم (سانت بيير) بتركيا والتي أشعرني ارتفاعها حين زرتها بشيء من الرهبة؟, لم تطل تكهناتي تلك فقد وصلنا عبر ممر يمر بين صالات البرج إلى حيث الشرفة, فخرجنا إلى الهواء الطلق لنشاهد القاهرة قبيل غروب الشمس.. وكانت المفاجأة!

المفاجأة حقيقة.. هي أنني ما استمتعت بتاتا في هذه الرحلة, ولا أذكر أين ذهب حماسي الذي كان من الممكن أن يدفعني لتسلق البرج فيما لو تأخرت المصاعد؟, ذكرياتي عن البرج لم تكن سعيدة بالفعل, ولا أذكر أنني استمتعت برؤية القاهرة ولا مبانيها ولا الأهرامات التي تلوح للبرج من بعيد.. ذكرياتي عن هذه الرحلة مشوشة بالفعل.. جل ما أذكره هو أنني رأيت شبابا وفتيات قد استغلوا هدوء البرج قبل موسم السياحة فجاءوا إليه مثنى مثنى, ثم إنهم قد وقفوا في جو شاعري على (درابزين) الشرفة متلاصقين, يمسك كل شاب منهم برفيقته ويهمس في أذنها ويقبلها على مرأى من الجميع وبلا خجل, تتمنع بعض الفتيات إما حياء وخجلا من الناس, أو ربما احتراما لذلك الغطاء الذي يغطي شعرهن ويفترض أنه دليل ينزههن عن هذه الدنايا..

 ومن بين هذه الجموع كانت هناك أسرة أو أسرتين بأطفالهم ويبدو على ملامحهم الضيق من هذه المشاهد, أما أنا ففوق ذاك البرج لم أشعر بمتعة.. ولا بلحظة سعادة واحدة, فقد هالني ما رأيت حتى اقشعر جسدي, هالني أنهم ليسوا أجانب فنعذرهم على هذا المجون وهذا الانحطاط.. بل إنهم عرب, وجلهم مسلمون, لكنهم ـ ويال الأسف ـ مسلمون تخلوا عن تعاليم دينهم, وعرب تخلوا عن مروءتهم وأخلاقهم!.
لقد هالني أنهم صعدوا البرج ليبتعدوا عن أعين الناس.. متناسين أنهم إلى السماء صاروا أقرب, وكأن من في السماء ـ جل في علاه ـ لا يعنيهم, إنهم يلهون ويتعدون على محارم الله وقد جعلوا الله أهون الناظرين إليهم.. فتعالى الله عن ذلك.

فوق برج القاهرة هذا لا تسل عني في تلك اللحظة فلقد بكيت وانهرت, لقد شعرت أن الله جل في علاه غاضب مما يجري, وأن عقوبة ستنزل على هذا البرج فتقتلعه في الحال, فدخلت مسرعة إلى الصالة الداخلية وأنا أصرخ بزوجي: أنزلني من هذا المكان الموبوء قبل أن يخسف الله بنا البرج!, حاول زوجي تهدئتي, فأبيت, حاول اقناعي بالجلوس في المطعم واكمال الرحلة بعيدا عن هؤلاء الشباب, فأبيت, حاول مناقشتي ليفهم ما سر خوفي واصراري الشديد على النزول؟, فأخبرته من بين شهقاتي أن الله يغضب إذا انتهكت محارمه, لذا فأنا لا أستبعد أن يُخسف بنا البرج في هذه اللحظة!.. فلم يملك أمام اصراري وانهياري إلا أن يستجيب لطلبي ويخرجني من ذلك المكان, هي لم تكن المرة الأولى التي أرى فيها مشاهد كهذه لأصدم هذه الصدمة.. فلقد مررت مع أسرتي بشواطئ للعراة في قلب مدينة اسكندرون التركية, صحيح أننا لم ندخلها.. لكننا كنا نرى المصطافين الداخلين لها كيف يبدون؟, وكم رأينا أثناء تنقلنا مشاهد أشد فحشا من ذلك, لكني غرت واحترقت غيرة وغضبا هذه المرة لأنهم كانوا عربا مسلمين, صحيح أن بينهم عربا من النصارى, لكني لا أعلم أنهم يختلفون عن المسلمين سوى في ترك الحجاب وتعليق الصليب, ثم إنهم جميعا في دولة عربية مسلمة وليس في دولة علمانية أو أوربية!, ومما زادني غضبا وألما آنذاك أنني رأيت الحجاب يذوب خجلا وذلة على بعض تلك الرؤوس!.

وحين هدأت براكيني بعد أن ابتعدنا عن المكان ظللت لأيام أفكر فيما جرى.. فها هو البرج منتصب نحو السماء لم يسقط, ولم تخسف الأرض تحته لم تتصدع, ولم تهوي عليه صاعقة غضب من السماء ولم يُحرق! بل إنه باق إلى يومنا هذا, فأيقنتُ حينها كم أن الله حليم بعباده, يُعصى فيمهل, ويُجاهر بالمعاصي فيرحم ويستر, ويُكفر بنعمه فيتفضل ويرزق, حتى إذا تاب العبد ولو بعد حين؛ تاب الله عليه ونقّاه.. فما أرحم الله! وما أحلمه!, هذا ما علمنيه هذا البرج الصامد في سماء تلك المدينة, وما رأيت هذا البرج بعد ذلك في صورة أو على شاشات التلفاز إلا وتذكرت الدرس الذي علمنيه, وتذكرت جهلي وسذاجتي يوم كنت واقفة في أعلاه, جاهلة برحمة الله وعظيم حلمه بعباده!

فاللهم إني أسألك بجميل عفوك الذي رأيتُ وببحار حلمك التي أدركتُ.. أن ترحم المسلمين والمسلمات, وتتوب على العاصين والعاصيات, وتسترنا وإياهم في الدنيا والآخرة, وتجمع كلمة المسلمين على الحق, وتقوي عزائمهم, وتصلح صفوفهم, وترهب عدوهم, وتنصرهم على من بغى عليهم, وتعيد عزتهم باتباعهم لكتابك وسنة رسولك صلى الله عليه وسلم.. برحمتك يا أرحم الراحمين.


الثلاثاء، 24 نوفمبر 2015

واكتملت أوراق البازل.. قصة طويلة بقلمي: حفصة اسكندراني ج4

أحداث الجزء الأول من هنا
وأحداث الجزء الثاني من هنا
وأحداث الجزء الثالث من هنا

الجزء الرابع:
"إلى أين ستذهب أيها العملاق الملثم؟
مسكين أنت يا قاتل نفسك ويا مشقي روحك وجسدك! مسكين أنت أيها العاشق المتخفي في ثوب اللامبالاة والجمود!
نعم يا سيدي أنت مسكين حقا! لكنك مسكين مرة واحدة أو ربما مرتين.. بينما حظي مما أنت فيه مثنى وثلاث ورباع!.
مسكين أنت.. ﻷن كلماتي التي أنثرها خواطر وأشعار هنا وهناك تأسرك وتسحرك!.. فيتمنى قلبك الرقيق لو أنها كتبت فيك أو نظمت من أجلك.
ومسكين أنت أيضا لأنك تترقب اهتمامي بك مرة بعد مرة دون جدوى.. وتراني وأنا أكيل الاهتمام لجميع الناس بسخاء فإذا ما تعلق الأمر بك رأيتَ عطائي لك من الثناء والاهتمام قد نضب، فجاءتك ردودي باردة بلا حرارة ولا طعم ولا لون..!
ﻷجل ذلك أعترف.. أنت مسكين يا سيدي وإن تظاهرتَ بغير ذلك.. وإن كتمتَ عن العالمين حقيقة ما بداخلك!.
وأما بالنسبة لي فأنا مسكينة أيضا..
وسبب شقائي يا سيدي غير سبب شقائك, ومادة بؤسي غير مادة بؤسك, وأنا أرى أن ما بي يفوق ما نزل بك ويضاهيه!
فأنا مسكينة لأنني حين أكتب المشاعر فأجيد وصفها؛ لست أكتبها كأي كاتب وأي شاعر يسلي نفسه كما تظنون.. ولا كانت الفصاحة التي تعجبكم في خواطري وقصائدي إرثا ورثته ولا البلاغة التي تأسركم علما تعلمته.. وإنما السر وراء ذلك هو أنني إنما أصف ما استقر في قلبي وما حام بوجداني لا ما استقر وحام بوجدان المحبين والعاشقين.. وشتان بين المكتوي بالنار ومن يدعي الاكتواء بها... ثم إني بعد ذلك أعمد إلى رسائلي فأجعل المرسل إليه نكرة بلا ملامح.. (رغم أن ملامحه منحوتة على جدران ذاكرتي, وفي دهاليز صدري) فتخرج كلمات الحب مائعة بلا هوية.. وأبيات العشق ضائعة بلا وطن ولا مطية، فكأنها كتبت لتناسب كل أحد.. حتی يظن قارئي أنها هذو من هذيان اﻷدباء حين يناجون القمر ويحتسون أفكارهم من هالة الخيال التي تحيط به.. فإذا ما غاب القمر انتهت تلك الحالة التي تعتريهم وخلفت حروفا جعلوها في خاطرة أو في قصيدة.. وهي في الحقيقة لا تمس واقع كاتبها لا من قريب ولا من بعيد
أتعلم يا سيدي منبع شقائي وألمي أين يكمن؟! ومن أين ينبع؟!
إنه يكمن فيك وينبع منك.. فلا تعجب!
 نعم.. مسكينة أنا لأن الكلمات التي تمنيتها أنت لك.. هي في الحقيقة ما كتبت إلا لك! وما حيك حرف فيها علی حرف إلا ووجهك سراجي الذي أبصر عليه نسيجي.. وقمري الذي يلهمني أبياتي ونثري.. فلا أعقد في نسيجي عقدة حتی أهمس لها بحبي وأنفث فيها بطرف من أشواقي وزفرة من زفرات وجداني.
ولقد انتظرتك تخطو خطوة.. وبقيت أحلم باليوم الذي تطرق فيه بابي.. لكنك أيها العملاق الأحمق البغيض لم تفعل!"
لم يشعر بالزمان ولا بالمكان ولا بالسيول التي انحدرت من عينه حتى جرت على الورق فاختلطت بأحباره, ضغط على الورق الرقيق بأصابعه حتى كاد يتمزق بين يديه, الحروف التي فرح بها أول الرسالة حتى أحيت الأمل في روحه.. هي هي التي أماتته وأقبرته في سطور النهاية, ماذا بيده أن يفعل؟ يوقف زواجها؟! يعلن حبه لامرأة مرتبطة؟! يتوسل الى أهلها لأجل أن يفسخوا خطبتها؟! يكتب لها أنه يريدها ثم يطالبها بكل خسة أن تنفصل عن خاطبها؟ أي رجولة هذه وأي جنون هذا؟
ليته لم يعرف.. ليته لم يجب اتصال خالته, وليته لم يحلم بالاقتران بها فور انتهاءها من الثانوية بل ليته لم يعرفها ولم يحببها يوما.
ليست المنقصة من شيمه, خير له أن يموت بمبدأ على أن يعيش بلا مبدأ,
لقد خرج مسرعا كأنما يفر من الجحيم.. ترك الحقائب فلم تعد تعنيه, قاد سيارته بجنون إلى بيته, وهناك ألقى بنفسه على سريره خائرا, سمع صوت اقامة صلاة الفجر لكنه لم يحرك ساكنا, لم يكن قادرا على الحركة, فقط النحيب هو ما استطاع فعله, كانت الصدمة أعظم مما يحتمل, وكان عجزه أثقل مما يحتمل, وألمه فوق كل احتمال.
أغلق هاتفه لمدة ثلاثة أيام لم يعبأ لما سيحدث أو ما سيترتب على فعله هذا, لم يعبأ لكون مفتاح المنزل لازال في جعبته, لم يهتم لما سيبرر به اختفاءه, لا شيء يهم, إنه محموم يعاني من حمى ظاهرة وأخرى باطنة أشد فتكا من أختها.
محاولات نهوضه من الفراش فاشلة, إنها حمى الهوى وقلما من سمع بها أو جربها, نعم حمى بلا مقدمات ولا مبررات طبية, إنها المرض الأشهر لدى العاشقين, إنها القاسم المشترك بينهم جراء العشق والوله, إنه ترجمان العجز عن فعل أي شيء..

انتهى الجزء الرابع
وفي الجزء الخامس بإذن الله سنستكمل أحداث القصة..
همسة:

السبت، 8 أغسطس 2015

ذكرياتي عن أول درس ألقيته في حياتي!

في قاعة من قاعات الدرس في الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة, حيث كنّا ندرُس في دورةٍ لإعداد معلمات القرآن الكريم, وهذه تشبه معاهد إعدادِ المعلماتِ في فكرتها ومضمونها.

وتتميز هذه الجمعية بالذات بأنها من أقوى معاهد تعليم القرآن الكريم النسائية على مستوى المملكة من حيث جودة مخرَجاتها. وكنتُ قد التحقتُ بها بعد تخرجي من المرحلة الثانوية مزامنة مع عامي الجامعي الأول, وفي آخر هذه الدورة يحين عادة الموسم الذي يسبق الحصاد, وهو موسم معاينة مدى نضج الثمار وجودتها, وفيه تقوم الإدارة بإلزام كل طالبة ـ قبل تخرجها ونزولها لما يُعرف بالتربية العملي في مدارس الجمعية ـ بتقديم درس نموذجي أمام عدد من العيون الناقدة المتربصة لقنص كل شاردة وواردة, وهذه الأعين المتربصة بالنقد هن زميلات هذه الطالبة ومعهن المعلمة!.

وأذكر أنه وبمجرد تذكيرنا ــ كطالبات ــ بهذا الدرس النموذجي الواجب علينا والجاثم على صدورنا = فإن ذلك كفيل بتعكير الأمزجة, وبث الرعب في القلوب!. لدرجة أن مِنَ الطالبات مَنْ تقرر تعليق أو إيقاف دراستها من شدة خوفها ورهبتها من ذلك اليوم!.

وفي دورتنا كان دوري الثالثة بين بنات فصلي في تقديم درسي النموذجي, وقد بدأتْ قبلي بأيام طالبتين فاضلتين, رأيتُ في درسيهما نموذجا من تربص الناقدات بالمعلمة الجديدة, وكيف يتدافعن في وضع الاختبارات التربوية والعلمية للضحية المسكينة!. فكانت المعلمة ـ منا ـ التي تقرر أنها ستعطي الدرس لمستوى (تحت سن المدرسة) مثلا؛ تكاد تكره نفسها من كثرة حركات زميلاتها اللواتي يتقمصن شخصيات الأطفال بكل صخبٍ وبرودٍ واستفزازٍ, بحجة أن يوفرن لها بيئة مشابهة للبيئة الطبيعية!.
ومن تختار مستوى (الأميات), لا يُستبعد أبدا أن تتلقى ـ أثناء انهماكها في الدرس ـ عرضا بالزواج من ابنٍ وهميٍّ لإحدى الطالبات التي أتقنتْ دورها على أنها أمٌ كبيرة في السن تخطب لولدها! كل ذلك في جو رائع من الحب والود الذي لا يُنسى.

فلما حان دوري في الشرح خلوتُ إلى نفسي أشجّعها وأحمّسها على خوض هذه التجربة الجديدة بثبات ودون خوف أو وجل, وصرتُ تارة أهون على نفسي أمر النقد الذي سيلحقني في ذلك اليوم, وتارة أتمرد على خوفي فأقول: أنا اليوم ترتعد فرائصي من نقد معلمتي وزميلاتي لطريقة تدريسي. وغدا سأرتعد مرة أخرى من أول موجهة تحضر لي.. ثم من أول مديرة.. وهلم جرّ؟!!.. هل سأظل هكذا في سلسلة من الرعب والخوف؟!! فهل هذا يُعقل؟!! فآسفني ضعفي وضايقني, حتى تفتق ذهني المتقد(!) عن فكرة عجيبة, فلما أعجبتني وأطربتني إذا بي أصيح في غرفتي بحماسٍ صيحةَ محاربٍ استلَ سيفه في ساحة الوغى قائلة: والله لأنحرنّ هذا الخوف على أعتاب درسي الأول, فلا أدع له سبيلا يتسلل منه إلى قلبي بعد اليوم بإذن الله!.

وبدون أن أمنح نفسي وقتا للتراجع وجدتُني في اليوم التالي في غرفة مديرة الجمعية الخيرية أدعوها هي والطاقم الإداري وعددا من الموجهات لحضور درسي النموذجي الذي سأقيمه بعيد أيام!!.
وهكذا ألقيتُ نفسي في جحيم التحدي, فإما أن أنجح نجاحا باهرا أنطلق بعده بكل ثقة وثبات, فلا أبالي بعد ذلك بمن يحضر لي ومن لا يحضر, وإما أن أفشل فشلا ذريعا طويلا عريضا!. لكن الجميل أنني حينها كنتُ مستعدة لأعلّق فشلي على شماعة الخوف الطبيعي من حضور هذا العدد الكبير من الناقدات في أول درس لي في حياتي!
  
وبدأتُ استعداداتي للدرس, وكنتُ قد اخترتُ مستوى (الجامعيات فما فوق), لأنني أجد نفسي مع هذه الفئة أكثر, فأعددتُ وسائل نموذجية مبتكرة تناسبهن لتساند شرحي, وأعددتُ منشورا أنيقا لكبار الضيوف استهليته بكلمة أدبية عن ذكرياتي في أول درس أقدمه في حياتي, وعن سعادتي بالحضور. ثم عرضتُ خطة سير الدرس وأهدافه ...الخ.

بعد ذلك أعددتُ مقدمةً تمهيديةٍ أدبية سجعية بديعة, لكنني اكتشفتُ فيما بعد أنني لَمْلَمْتُ كلماتها كيفما اتفق.. ثم قذفتُ بها على أسماع الحضور خاليةً من كل السجعات, وعاريةً من أيّ لمساتٍ أدبية!! حتى اشمأززتُ أنا شخصيا منها!

المهم أنني وفي طور التحضير والإعداد للدرس لم أقتنع بالشواخص التي وضعتها أمامي في (بروفتي) الأولى للشرح, فقررتُ أنني في حاجة ماسة لأستبدل الشواخص (الغير عاقلة) بشواخص أخرى (عاقلة)!!. فحشدتُ أمي وإخواني وأخواتي في (البروفة) الثانية, وقد اشترطتُ عليهم الصمت المطبق! وبعد أن انتهيتُ من إلقاء الدرس شعرتُ بأنه كان درسا ميتاً! خاصة وأن الحضور قد التزموا بشرط الصمت إلا الوالدة رعاها الله. ولأجل ألا تتكرر مأساة الدرس الميت مرة أخرى أعددتُ هدايا تشجيعية لأجل تشجيع زميلاتي على التفاعل معي!, مع أنني كنتُ على ثقة من أن زميلاتي المحترمات قد بتن ليلتهن هذه وهن يحِكْنَ لي الخطط والمفاجآت التي توعدْنَني بها, تماما كما يصنعن مع كل واحدة منا.

وجاء الغد مسرعا غير متمهل, ورأيتني وقد وقفتُ أمام أزواج لا أحصيها من الأعين المترقبة. كانت من بينهن المديرة التي لبت مشكورة هذه الدعوة, وأظن أن معها موجهة أو اثنتين (لا أذكر), المهم أنني وقفتُ وألقيتُ عليهن تمهيدا لم أحضّره.
وكان شعوري حينها مخدرا.. مفرّغا من كل شيء, فقد كنتُ أسمع صوتي ليس كما اعتدتُ أن أسمعه.. وكأنه قادم من أعماقٍ ليس لها قرار, وكأنني ـ وحدي من بينهن ـ في قلب مكعب زجاجي مفرّغ من كل شيء حتى من الهواء!.. لكنني ما إن بدأتُ الدرس حتى تزايدتْ نسبة ضخ الأوكسجين في ذلك المكعب!.. فبدأ الوضع يتحسن ويستقر نسبيا.

انهمكتُ في شرح الدرس وكان توفيق الله حليفي ببركة دعاء الوالدين, لكن ما أثار انتباهي وتعجبي الشديد وفاجأني؛ هو صمت زميلاتي صمتا عجيبا مطبقا, كاد يقنعني بأن الدرس يُعرض عليهنّ لأول مرة!.. انتظرتُ مشاغباتهن.. تهديداتهن.. فلم أتلق شيئا من ذلك, والعجيب أنني كنتُ قد طلبتُ إليهن قبل الدرس أن يشاركنني ويطرحن أسئلة وإشكالات في الدرس, لأنني أعددتُ لهن هدايا قيّمة لأجل ذلك, لكن صمتهن أثار غضبي حقا, فعزمتُ بيني وبين نفسي أن أخرج فور انتهائي من الدرس مصطحبة هداياي الجميلة لأوزعها على طالبات الفصل المجاور عقابا لهن!.

وأخيرا انتهى الدرس بنجاح حظي بإعجاب الحاضرات وخاصة المديرة الفاضلة التي أثنت عليه ثناء عاطرا. وتلقيت منهن أيضا بعض الملاحظات والتعليقات النافعة المفيدة, وحين خلوت بزميلاتي رحتُ أوبخهن وأنا أستفسر غاضبة عما دهاهن؟ ففوجئتُ بتبريرات لم تخطر لي على بال, ففريق منهن أكدن بأنني كنتُ عصبية جدا, وشكلي يُوحي بأنني سأتناول أقرب مقعدٍ وأقذفه في وجه من تقاطعني لتسأل سؤلا!! (ولا أدري هل كنتُ شفافة للدرجة التي عرفن منها أنني اشتهيتُ في لحظة من اللحظات أن أفعل ذلك حقا؟؟)
الفريق الثاني قلن: والله لقد استحيينا أن نطرح أسئلة في حضور المديرة ـ في أول لقاء يجمعنا بها بهذا القرب ـ فلربما تصدق أننا بعد سنة من الدراسة المكثفة نجهل بالفعل جزئيات في درسك هذا! فرأينا الصمت أسلم وأبرك! كما أننا خشينا إن (استهبلنا) أمامها أن تسيء الظن بنا, فترانا لا نستحق أن نكون معلمات!

ورغم تبريراتهن المستفزة فقد نجحن في استعطافي وإطفاء غضبي حتى حصلن في النهاية على جميع الهدايا! فعدتُ إلى بيتنا خالية الوفاض إلا من أحداثٍ أحكيها للجنة الاستقبال التي تنتظرني, وذكرياتٍ أحتفظ بها في ذاكرتي تحتاج إلى من يستفزها للخروج والنشر, فشكرا للصاحب الموضوع على فكرة طرح ذكرياتنا عن أول درس في حياة كل منا.

بقي أن أقول: لقد استفدتُ من درسي الأول هذا فائدة عظيمة, تبلورتْ ملامحها مع توالي الدروس, وأحبُّ أن أضعها بين يدي القارئ لكيلا يخرج من قصتي هذه بدون فائدة تذكر.

فإليكم خلاصة تجربتي نصيحةً أسأل الله أن ينفع بها ويبارك فيها:

أخي المعلم... وغير المعلم...مهما أعددتَ لدرسك... لخطبتك... لمحاضرتك... للقائك الإعلامي أو ـ غيره ـ من كلماتٍ أدبية, أو وعظية, أو معلومات, أو قصص, أو أي مادة ترغب في تقديمها, ثم داخلكَ وأنتَ تحضِّرها حظوة لنفسك, ورغبة في لفت انتباه الحضورِ لبراعتك, وإبهارهم بتمكنك وعقليتك, وإبراز جانب من ثقافتك وفصاحة لسانك, لأجل حظ نفسك وحاجتها = فإن التوفيق الذي تتطلع إليه لن يكون حليفك فيها!!... نعم قد تؤديها بشيء من النجاح, ولكنها وإن شقتْ طريقها بتوفيق من الله إلى بعض قلوب الحضور فإنها ستصل إلى عدد آخر منهم عارية عن كل ما يسترُ سريرتُكَ... تماما كما نويتَها, فتجد الاستفادة منها تضاءلت أو كادتْ تنعدم. بعكس فيما لو كانت هذه الكلمة الأدبية أو الوعظية هي ذاتها الأولى بشحمها ولحمها؛ ولكنك حين أعددتَها كنتَ مستحضرا إخلاص النية لله, صادقا في حرصك على إيصالها للمستمع بأبدع وسيلة, وأروع طريقة, كي يُعجب بها, ويستفيد منها = فوالله إنك لترى حينها عجبا عجابا, فالفرق بينهما جلي ومثير للتعجب والتأمل!.فالأولى منزوعة البركة, ضعيفة المتابعة.
وأما الثانية فإنها كلمة مباركة صادقة, تدخل القلوب, وتحوز الإعجاب, وتعلق في الأذهان, ينطلق فيها لسانك, وتُلهم براعة الاستهلال وحسن الاستشهاد والاستدلال, وترى رجع صداها الطيب جليا أمام عينيك قبل فراغك منها.

ولو أنك فوجئتَ أثناء إلقائها بحضور مشرفٍ أو مدير أو وجيهٍ أو وزير أو رئيس أو أمير أو ملكٍ = ما هز ذلك منك شعرة, ولا أضاع عنك فكرة.

وإن الذي يطلبه الناس حظوظا لأنفسهم من الدنيا = آتيك بالإخلاص مرغما من غير ما تطلبه, وحاشدا لك من القلوب المحبة فوق ما تتصور, وكل هذا لا يقارن بما ستلقاه من الثواب العظيم المدخر لك عند الله جزاء إخلاصك لقولك الذي نفع الله به عبادا أنت لا تحصيهم عددا, ولربما لم تراهم في حياتك أبدا. أو بعد هذا تبخل على نفسك بالإخلاص في القول والعمل؟؟!!

رزقنا الله وإياكم حسن الإخلاص في القول والعمل, ونفع بنا.

بنت اسكندراني

حرر ونشر في ملتقى أهل التفسير بتاريخ 15/05/1433هـ