الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

حكايتي مع تجليد كتب طفلي..


بادئ ذي بدء أحب أن أوضح أنني وتجليد الكتب بشكل عام أعداء وليس بيننا أي ود ولا استلطاف! لكن يبدو أن الأمر هو شر لابد منه, ولذلك أعتقد جازمة أن أماً لم تجلد كتبا لأطفالها لهي أم ناقصة الأمومة, فيوم تجليد الكتب هذا = يوم من أيام الله المشهودة في تاريخ كل أم, خاصة إذا كانت لا تحب هذه الوظيفة.
في الحقيقة إنها ليست المرة الأولى التي أجلد فيها كتبا, لكنها ربما تكون الأخيرة, لأنها كانت المرة الأغرب على مر تاريخي, وللأسف جاءت على حظ دخول صغيري الصف الأول الابتدائي!
 في البداية ذهبت لشراء تجليد الكتب الشفافِ المقصوصِ الجاهز للصق, فلفت انتباهي العامل وهو يجلد في المكتبة؛ وبين يديه كتابٌ أنيقٌ جلَّده بعناية فائقة, فسألته بكم تجلد الكتاب؟ فأجابني بخمس ريالات!, وبحسبة بسيطة تذكرتُ أن لصغيري 13 كتابا, ولأخته 23 كتابا, ولأخيهم الصغير الذي في التمهيدي 8 كتب, أي أن المجموع 44 كتابا, وبدون أن أكمل العملية الحسابية لأنني ببساطة لن أتقن ضرب خمسة في أربعة وأربعين بدون آلة حاسبة؛ إلا أنني أدركت أن المبلغ سيكون كبيرا على مجرد تجليد كتب!!, فتنامى لدي شعور بالاستخفاف من جهد بسيط كهذا مقابل مبلغ قد يستحق العامل نصفه فقط, لكنها التجارة!
 المهم أنني أخذت أغراضي وعدت إلى المنزل بفتور لأبدأ في مهمة أكرهها من كل قلبي.
وهكذا بدأت المحنة ... بدأتُ بالكتاب الأول وكان من سوء الحظ أنه كتاب لغتي الخاص بالحصة وليس بالواجبات, وللعلومية فإن طريقتي في التجليد غير اعتيادية, فأنا لستُ أحتمل إلصاق التجليدة على الكتاب وصلة وصلة ونقطة نقطة كما يفعل الآخرون من أجل التأكد من خلو كل سنتيميتر من الهواء؛ وإنما أنزع الورق من على التجليد كاملا, ثم ألقي بالكتاب عليه, وكيفا اتفق سقط, ثم أتتبع السهول والهضاب التي أحدثتها بسب حبس الهواء لكي أخرج الهواء منها بإبرة حاضرة معي كآداة أساسية أثناء عملية التجليد! وهكذا كنتُ أجلد لابنتي, وكانت الأمور جيدة ولا بأس بها, لكن هذه المرة لا أدري ما الذي حدث؟, فما إن ألقيتُ الكتاب على اللاصق حتى تكور الكتاب وبدا عجيب الشكل!, وحين أدخلتُ الأطراف لألصقها أخذتُ معها ورقتين من داخل الكتاب دون أن أنتبه!, وحين تنبهتُ لذلك قررتُ أن أحرر هاتين الورقتين من باقي أطراف اللاصق, وحين انتهيتُ وجدتُ أنني صنعتُ داخل الكتاب ما يشبه جيبا سريا بالورقات التي أخذتها مع اللاصق من كل الجوانب إلا جانبا واحدا! بالطبع لا أحتاج أن أشرح لكم أن مؤشر ارتفاع ضغط الدم تصاعد داخلي بشكل جنوني, فهذا هو الكتاب الأول!, وما فعلته فيه يعد تشويها بشعا!.
المشكلة الأخرى هي أنني حين أغلقتُ الكتاب وجدتُ زوايا الورقتين قد خرجتا من الكتاب وتدلتا في منظر قل أن تراه في حياتك, فهذبتهما بالمقص لأحسن من المنظر العام وأنا أكاد أبكي, وقبل أن أغلق الكتاب اكتشفتُ غلطة أخرى وهي أنني جلستُ على السجاد وأنا أجلد الكتاب وبالتالي فإن السجاد قد أتحفني ببضعة شعرات استقرت في الأطراف الداخلية للكتاب, فصعقتُ, ماذا سيقول معلم المادة عني؟ أما يكفي التشوهات التي أحدثتها في الكتاب حتى أضع له بضع شعرات من شعر رأسي وكأني أحضر له عملا سحريا؟!!, تذكرت حينها أنه لا يمكن طلب كتاب بديل للطالب لأن الكتب لم تعد توزع بسخاء كما كانت على أيامنا, كما أنها أصبحت توزع في مجموعات, لذا فأنا لا أعرف كيف أتصرف؟! .. ولا أخفيكم ففي هذه المرحلة بالذات كنتُ أعالج انهيارا كاد يصيبني, وكنتُ أنفس عن غضبي ذلك بالسب في مخترع التجليد وفيمن أدخله إلى المملكة.
طبعا الشعرات استحال إخراجها بكل وسيلة, وللأسف مع تلك المحاولات حدثت مشكلة جديدة ... فلقد فصلتُ جزءا من جلدة الكتاب عن الكتاب, ما يعني أن الكتاب سيحتاج إلى تدبيس قبل أن يستخدمه الطفل أساسا, وهذا أثار غضبي أكثر فأكثر, الطريف في الأمر أن ولدي الحبيب شهد جميع هذه المحاولات من أول لحظة, ورأيته يتكور مستسلما لقدر الله ... يرقب ما ستنتهي إليه الحرب بين أمه وبين كتاب لغته, وحقيقة لا شيء أصعب من رؤية طفل يرمق مستقبله يضيع أمام ناظريه, حتى أن هذا المشهد المؤثر دفعني فجأة للانفجار في الضحك!.
وبعد العودة إلى الواقع الكارثي الذي كان بين يدي ... لا أدري ما الذي ذكرني حينها بعامل المكتبة الذي قال لي: (أجلد الكتاب بخمس ريالات!), لا أدري ما بها الخمس ريالات؟!!!! إنها تبدو لي في هذه اللحظة مبلغا رمزيا جدا مقابل تخليصي من هذا الكابوس المرعب, وصدق المثل القائل: اعط العيش لخبازه!!
بعد هذه التجربة المريرة والتي تبعها بضعة كتب أخرى هي أقل سوءا من الكتاب الأول لكنها قد تصنف في بابه؛ قررتُ بعدها الاستنجاد بأختي الحبيبة, وعقدت صفقة معها خلصتني بموجبها من تجليد بقية الكتب دون أن أتكلف ريالا, فما أروع أن يكون لك إخوة وأخوات تستغلهم في الفرار من مسؤولياتك, خاصة المسؤوليات المقززة منها!
المهم أنني بعد ذلك حملتُ كتاب لغتي البئيس ومعه جميع كتب ولدي الحبيب إلى المكتبة, وهناك أجرينا عدة عمليات تجميلية لجميع الكتب التي جلدتُها أو بالأحرى شوهتُها, بالإضافة إلى الكتب السليمة الأخرى التي جلدتها أختي وذلك حتى تبدو كتب الطفل جميعها متشابهة, وأبشركم لقد خرجت في أجمل حلة, وتم إخفاء تلك الشعيرات بتدبيس أوراق أخرى لتغطيها, والحمد لله رب العالمين.
 ولقد كتبتُ تجربتي هذه ليس فقط لأرسم البسمة على شفاهكم وإنما كتبتُها لأتذكر هذه المأساة بحذفيرها مع بداية كل فصل دراسي قادم بإذن الله, وحتى أجيب العامل من فوري فأقول له: (ولم لا تأخذ ستة ريالات أو سبعة مقابل كل كتاب؟؟!!... صدقني أنت تستحق أكثر من ذلك نظير جهدك العظيم هذا!).
وهكذا انتهت القصة على خير ... حفظ الله كتب أبنائكم من كل سوء ومكروه.
ودمتم بخير.


حرر ونشر في 16 سبتمبر، 2013‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق