كم وكم من مغامرات عجيبة عشناها في
صغرنا, بعضها يبقى في ذاكرتنا شئنا أم أبينا, وبعضها نتناساه حتى ننساه, وبعضها تمر
عليه الأيام كما لو كانت عربة تعبيد طرق فتمحو ملامحه أو تكاد, فإذا حدثت مغامرة مشابهة
لمغامراتنا تلك مع أحد.. نُبشت تلك الذكريات وانشقت تربتها عن ذكرى مهملة كادت تنسى
لإحدى مغامراتنا العتيقة.
هذه المقدمة مرت ببالي حين رأت ابنتي صورة خروف العيد قبل الذبح, فكان تعليقها
وهي تتأمله وتتأمل بياضه الناصع: يجنن يا ماما... حراااااام تقتلوووووه والله!
هنا تحديدا تدافعت الذكريات إلى رأسي
الذي بالكاد يذكر شيئا من تفاصيل حاضره فكيف بالماضي؟, لكن تفاصيل تلك الذكرى بدأت
تهلّ علي وحدها الواحدة تلو الأخرى, وكلما حضرت جزئية نادت أختها حتى إذا تكاملت علي
جميعها.. هرعت إلى حاسوبي لأدونها قبل أن تُمحى!
وإليكم الذكرى بالتفصيل:
حين كنت في المرحلة المتوسطة أتانا
والدي الحبيب ـ رحمه الله تعالى ونور قبره ـ قبل عيد الأضحى المبارك بشهر أو شهر إلا
أيام؛ وأخبرنا أنه اشترى خروفا وسيأتي به إلى المنزل لنهتم بغذائه الأخير الذي من شأنه
أن يجدد لحمه ويحسنه وينقيه من تناول الغذاء الغير معتنى به في المراعي الغير نموذجية,
طبعا مجرد الفكرة أثارت استيائي ولكن قلت في نفسي: وما دخلي أنا؟, لن أنزل فناء المنزل
ولن أراه, ولن أشم رائحة مخلفاته المقززة, فليحضروا خاروفا أو يحضروا ديناصورا, الأمر
لا يعنيني!.
لكن المفاجأة كانت حين أكمل والدي حديثه قائلا: ونظرا
لأننا نزرع في أحواض الفناء الريحان وبعض الورود والياسمين الهندي ونعتني بتقليم الأشجار
...الخ, وأيضا نظرا لوجود حوض السباحة في منتصف الفناء فإن ذلك سيشكل عقبة على وجود
الضيف الجديد في الفناء؛ ولذا فإن أنسب مكان له هو فوق السطح!!
هنا اللامبالاة التي كانت تسكنني أو
كنت أسكنها انقشعت عني دفعة واحدة, وبدأت خطورة الأمر تتضح, ففي الدور الثالث من منزلنا
لا يوجد إلا غرفتي وحمام وصالة صغيرة تابعة لغرفتي ثم السطح, ما يعني أن حضرة الخروف
المحترم سيكون جاري أنا في الأيام المتبقية من حياته قبل عيد الأضحى المبارك!!!
وهذا يعني أيضا أن مخلفاته القذرة
ستكون هي الرائحة المميزة لغرفتي ولأغراضي!, وسأكون حتما مضطرة لاستنشاقها مع نسمات
الفجر كل صباح, ناهيكم عن الذباب والبعوض وال... الخ.
وبدون استغراق في التفاصيل صرخت رافضة
هذه الفكرة الفظيعة جملة وتفصيلا, وحاول والدي عبثا إقناعي من كل باب, وأنا أغلق أمامه
كل الأبواب, ولم أكن أحاول اقناعه إبقاء السيد الخروف في الفناء فحسب, وإنما كنت أحاول
إثناءه عن الفكرة أساسا, وبعصبية يرافقها سيل من الدموع ـ التي لا تدعني عادة حين أغضب
ـ رحت أبرر له أسباب رفضي, وأنني المتضرر الوحيد من هذه الفكرة الجهنمية, وأن الذي
أشار عليه بأن الخروف سيتغير لحمه في عشرين يوما يهذي أصلا, وأن الخروف مكانه البراري
والحظائر, وأن صوته المثير للاشمئزاز سيصيبنا جميعا بلوثة في عقولنا فهو بالطبع ليس
طائر كناري, وأن رائحته ستغطي على فاعلية وتأثير جميع العطور التي في منزلنا كله, وسنبدو
جميعا قادمين إلى مدارسنا وأعمالنا كالخارجين من سوق الغنم, وأن بإمكاننا تبني الخروف
في حظيرة مؤجرة عند متخصص في تغذية الخراف, ثم عرّجت على نقطة قد تؤرقه وهي أن الخروف
سيلعب في السطح وسيجري خلفه إخواني ليل نهار حتى يجعلوه مهيأَ للركوب ما يعني أنه سيقفز
قفزا مزعجا على سقف غرفة نومك وسيقض مضجعك وهو يفر منهم, وووو ... وللأسف فشلت كل المحاولات
وأعلن والدي أنه لا مجال أمامنا إلا أن نضعه في السطح, وعلينا أن نتحمله جميعا حتى
يأتي العيد السعيد.
وبعد أيام ناداني أبتي وأخوتي بعد
ذهاب العامل لأشاهد الخروف فذهبت بفتور, وحين دخلت سطح منزلنا كانت المفاجأة ... فلقد
ربط والدي الحبيب الخروف بحبل متوسط الطول في نافذة غرفتي دونا عن أي مكان آخر!! وحين
اعترضت كان مبرره أنه لا يريده حرا يتمشى فوق سقف غرفته حتى لا يزعج نومه! وليس في
السطح مكان يربطه فيه إلا نافذتي أو في المكيف الخاص بغرفته, وبالطبع الأخير يقع فوق
رأسه مباشرة وهو لا يتحمل سماع همسة فضلا عن أقدام خروف تشير التنبؤات الأولية إلى
أن إخوتي سيحولونه إلى سيسي!
تقبلت الأمر على مضض أو بالأصح بالإكراه
ورحت أحاول التظاهر في الأيام التي تلت ذلك اليوم بأنني وحدي وليس خلف جدار غرفتي جار
ثقيل, ذا صوت مزعج قادر على سحبي من أعماق البحر السابع في نومي ثم قذفي على شاطئ صخري
بجوار بحر الصحو الأول!, كما أنه قادر على قطع حبال أفكاري كلها بفواصله البلهاء التي
يصرح بها دون أية مناسبة!
ومضت الأيام, وكنت بالفعل أتعايش يوما بعد يوم مع
وجوده ومع وجود إخوتي حوله يجرون عليه اختباراتهم الصبيانية المختلفة في قياس قوة التحمل
وقوة البصر وغير ذلك من الاختبارات المبتكرة!
والعجيب أنني صرت أحزن عليه بعض الشيء خاصة حين يجالسه
إخوتي وقتا طويلا.. فأفتح نافذتي لأطردهم عنه, ثم مع مرور الوقت لم أعد أحقد عليه حين
يفزعني من نومي بقفزاته المزعجة على جدار غرفتي, حدث ذلك تحديدا منذ قررت أن أرد له
الصاع صاعين وصرت أتسلل أثناء نومه لأفزعه كما يفعل بي!.
الخلاصة هي أنني تعودت على وجوده في حياتي, وكثرت
زياراتي له, وأصبحت نافذتي مشرعة لرؤية وجهه الصبوح كل يوم, واستنشاق النسيم العليل
بعد مروره به.. حتى جاء اليوم الموعود وأسقط في يدي!
غدا سيقتل! هل يفترض بي أن أكون سلبية؟؟ هناك نفس
تحيا على بعد نصف متر من جدار غرفتي.. وغدا ستموت, ماذا علي أن أفعل؟ لقد ألمحت لوالدي
أكثر من مرة أنني لم أعد أتأذى منه, وأنني سميته باسم جميل يليق به, وأن فكرة إحضاره
كانت فكرة لابأس بها.. الخ, لكنه لم يفهم أنني لا أريده أن يذبح!, ولو صارحته لشكك
في قواي العقلية, ونفسي تستصعب ذلك, ثم كيف سأبرر له الأمر, " أأ.. أب...أأأبي
.. لا تقتل الخروف أرجوك! فلقد .. أ .. أح .. ببته!"
إذن ألتزم الصمت كأفضل حل وأفضل خيار
ممكن.
وعزمت على ذلك فعلا, وحين جاءت الساعة الحاسمة نسيت
كل ما عزمت عليه, فوجدتني أصرخ وأهذي وقد جن جنوني حين وجدت والدي وإخوتي يتعاونون
في إنزاله إلى فناء المنزل في اللحظات التي ينتظرون فيها وصول السفاح الذي سيأتي لينهي
حياته!
حقيقة كلما تذكرت ردة فعلي أستغرق في الضحك, فلقد
كنت أهذي فعلا .. وكان والدي ـ رحمه الله ـ تارة يشرح لي على عجل أن الله خلق الحيوانات
لكي تؤكل و... و... , وتارة يصرخ بي, وتارة تدمع عيناه من الضحك على كلامي حتى يكاد
يسقط!.
لقد قلت أشياء كثيرة بلهاء, وأذكر منها على سبيل
المثال: ما هو شعورك وأنت تسحب نفسا حية لتضعها تحت شفرة سفاح! أنت مشارك في الجريمة؟
أين جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوان مما يجري هنا؟ لم لم أسمع عن جمعية للدفاع عن حقوق
الخرفان؟ هذا اضطهاد منهم وعنصرية! أليست نفسا تزهق من أجل أنانيتنا! كيف ستنام مرتاح
البال بعد مشاهدة تفاصيل الجريمة؟ ألن تتذكر نظرة عينيه؟! أرجوووك يا أبي أنظر إلى
عينيه! كأنه يستنجد بنا! أرجوووك دعنا نطلقه لوجه الله, فإن سُرق ثم ذبح كان إثم قتله
على من سرقه!, وإن دهسته سيارة.. فقد فاضت روحه دون أن تلوث أيدينا بجريمة قتل بعد
سابق (تسمين) وترصد!.... و...... ورغم كل ما قلت فقد ....... قتلووووه!
وحُكي لي أن دمه الطاهر الزكي قد جرى في الفناء وغطاه
طولا وعرضا, فأصابني انهيار عصبي حتى أنهكت من كثرة البكاء, وأرسل والدي من يزيل آثاره
من سطوح منزلنا الحزين, وحبست نفسي في غرفتي لكي لا أشهد تقسيم لحمه وتكسير عظمه, وأقسمت
أيمانا ألا أتذوق طعاما غمس فيه مرق من لحمه, وبالفعل بررت بقسمي, وليس هذا فحسب بل
حرمت نفسي من أكل لحوم الخراف كلها وفاء لهذا الخروف الطيب, وبالفعل عافت نفسي دون
تعمد مني اللحم كله مدة ستة أشهر كاملة من عمري!!
وبعدها كثف والدي الحبيب ـ رحمة الله
عليه ـ جلساتٍ لإقناعي بأن اعتراضي على ذبح الماشية حرام شرعا, وبه سوء أدب مع الله
واعتراض على نواميسه ... الخ , فعدت أستغفر الله كلما تذكرت حماقتي تلك وكل ما تفوهت
به, ثم عدت لأكل اللحم ثانية والحمد لله رب العالمين.
وبعد هذه الحادثة الأليمة ظللت لأعوام أحرص على عدم
حضور ذبح خروف العيد بعد الذي جرى, حتى لا أصدم فأهلوس بأي هلوسة قد أحاسب عليها, كان
هذا قبل أن أشاهد كيف يُنحر البشر؟ وكيف تسيل دمائهم بحارا بلا ذنب, وكيف تصاد الأعين
والجماجم بالبنادق كما تصاد العصافير والغزلان!, وكيف يسقط الناس في المصائد والشباك,
وكيف يخنق الأطفال بمبيدات تشبه مبيدات الحشرات المنزلية..
نعم كان هذا قبل أن تتفتح مداركي
على اجرام البشر ببني البشر.. أسأل الله أن يجعل هذا العيد عيد فرج ونصر وعزة على الأمة
الإسلامية, وكل عام وأنتم بخير وسعادة وصلاح.
حرر ونشر في 15 أكتوبر، 2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق