تمضي بنا عربة الحياة مسرعة وهي تطوي
تحتنا مسافات الحاضر طيا، كل ما نبصره في الأفق البعيد لا يلبث أن يكون حاضرا، وسواء
أكان هذا الحاضر جميلا سعيدا أو كان مشوها حزينا؛ فإن سرعة عربة الحياة كفيلة بدفعه
إلى غياهب الماضي العميق ليبتلعه!.
لا مجال لإيقاف الزمان ولا المكان!.
أكثر اللحظات التي تتمنى أن تطول؛
هي أسرع أوقاتك مرورا وأفولا!, فعربة الحياة لا تعرف سوى التهام أجمل المسافات بجنون!.
ثمة مسافات يعز على الإنسان فراقها، خاصة
تلك التي عاش معها حاضرا ممتعا، سعد فيه وأنس، حتى عدها من اللحظات الجميلة في هذه الحياة، وحين يطوى عنه هذا الحاضر ليصبح من الماضي؛ لا يملك إلا أن ينهض ليقف في عربة الحياة - رغم سرعتها واهتزازها - وقفة حداد.. وقفة احتجاج وألم..
أو بالأحرى: وقفة وداع، ينظر فيها إلى الوراء المسافر إلى الماوراء، يبكي على أطلال المسافات
التي أحبها وتمنى أن يستمر فيها الى الأبد!.
يقف في وداع تلك المسافات بصمت، يذرف دمع الفراق
بصمت، ويصرخ بمشاعر الوفاء أيضا بصمت، فلا جدوى من وداع بائس يزيد نزف الجراح، ولا فائدة من بكاء عاجز عن إعادة لحظات الهناء، ولا طائل من وراء صراخ منهك يعكر مسافات الحاضر
دون أن يبلغ صوته الماضي الذي فات!، ربما ما يسلي المرء ويؤنسه إن كان قد وفق للاستزادة مما طوي من زمان ومكان بزاد من الحسنات، يهون عليه الحسرات، ويرطب قلبه المحزون، فالماضي يذهب ولا يعود, ومحال أن تمر
عربة الحياة ثانية في ذات الدروب!, ربما تلج دروبا شبيهة بالتي مضت, لكن الماضي حتما
لن يعود, تلك هي سنة الحياة.
بعض المسافات التي يقف الإنسان لوداعها يتفاجئ بأنه لا يتمكن من رؤيتها حتى يغيّبها عنه الأفق، فثمة منعطفات نكدة تحول بينه وبين الوداع، منعطفات تسكثر عليه أن يهنأ حتى بلحظات مميزة للوداع!.
وفي الوداع هناك أناس يستطيعون احداث
حزن يوازي حجم آلام الفراق التي تكويهم، وأناس يلجمهم الحزن عن الحزن, ويكبلهم الألم
عن الألم وعن الصراخ!
وهناك آخرون يفاجئون الفراقَ ببرودة أحاسيسهم وتبلد مشاعرهم!.
في بعض الأحيان نندم على بعض طقوس
الفراق التي استنزفتنا وأنهكتنا ردحا من الزمن, يحدث ذلك حين نُفجع بفقدٍ أكبر
لمسافات أهم من حياتنا, فهذه هي الحياة.. دار ابتلاء وامتحان، وقد نندم أيضا حين نكتشف أن تلك المسافات التي بكيناها لا تستحق أن نذرف
عليها دمعة واحدة!.
في لحظات الفراق ترى مَنْ يعجز عن
التعبير بالحزن يحسد من لا يعجزون عنه, لكن الأعجب أن ترى بعض القادرين على التعبير
بالحزن عند الفراق يحسدون العاجزين عنه, فليس هناك قاعدة مطردة في التعبير عن المشاعر
بين البشر!.
وتستمر عربة الحياة تجري ببني الإنسان وتسرع, تجري
بنا ولا ندري إلى أين ستذهب؟, لكننا نؤمن أن الله يسيّرها بنا بلطفه حيث يشاء,
تؤرجحنا في مشوارها الطويل هذا بين تطلع متشوق للمستقبل وبين خوف منه, وبين صبر
على حاضر ثقيل أو رغبة في التشبث فيه, وبين ماض لا نترحم عليه وماض نرثيه حتى يقتلنا
البكاء عليه!
هناك نوع من البشر ينهي وقفته للوداع بنثر ما بجعبته
من ذكريات في الهواء, فيتخلص من عبئها ليبتلعها السراب قبل أن يلتفت هو إلى الأمام,
فيستقر في مقعده في عربة الحياة, وهو خال الذهن, متخفف من الأعباء, يسلي نفسه بأنه
أكثر وفاء ممن بقي في مقعده بلا مشاعر ولا إحساس!.
وبعضهم يخبئ ذكرياته في جيوبه وأكمامه،
أو في مكان ما قرب صدره, لتبقى قريبة من روحه.. مصغية لنبض قلبه!.
وبعضهم يطيل وقفته بعد أن يخبّئ تلك الذكريات داخل صدره, ثم يميل بقلمه على جوانب العربة الداخلية فينحت عليها مشاعره وهي لاتزال غضة طرية, لتبقى شاهدا ماثلا أمام عينيه, فإذا ما انتهى زفر زفرة عميقة وهو يختم حروف خاطرته بما بدأها به, ليكتب: "وهكذا تمضي بنا الحياة ولا تبالي!".
وبعضهم يطيل وقفته بعد أن يخبّئ تلك الذكريات داخل صدره, ثم يميل بقلمه على جوانب العربة الداخلية فينحت عليها مشاعره وهي لاتزال غضة طرية, لتبقى شاهدا ماثلا أمام عينيه, فإذا ما انتهى زفر زفرة عميقة وهو يختم حروف خاطرته بما بدأها به, ليكتب: "وهكذا تمضي بنا الحياة ولا تبالي!".
حفصة اسكندراني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق