الاثنين، 9 مارس 2015

من المواقف المحرجة!.. بقلم بنت اسكندراني


حين يباغتك أحدهم في مجلس فيطلب منك سرد موقف محرج حدث في حياتك.. صدقني ستفر منك المواقف الواحد تلو الآخر, وستبقى ابتسامة بلهاء تتجمد على شفتيك بينما تدور عيناك في كل الاتجاهات وهي تنظر إلى ما وراء مدى النظر.. حيث صندوق ذاكرتك الفوضوي علّك تعثر فيه على موقفٍ لم يحالفه الحظ بالهروب مع إخوته!, وربما ترتفع يدك لا إراديا لتحكّ فروة رأسك كأنك تنشط الذاكرة بمساجٍ مفاجئٍ رشوةً كي تكافئك بما تريد! :)
ولـمّــا وجدتُ نفسي في موقف مشابهٍ لما سبق؛ ثم تذكرتُ ـ بعد حين ـ أحدَ المواقف المحرجة التي مرتْ بي في حياتي؛ عزمتُ على تدوينه كتابةً ليبقى حاضرا في ذاكرتي متى تكرر علي ذات الطلب ثانية.
وبعد الانتهاء من كتابته زينتْ لي نفسي نشره J ما يعني أنني سأحرق ورقته, وسأضطر لاحقا للبحث عن غيره ليكون حاضرا لمثل تلك المباغتات.
خلاصة ما حدث...
منذ عامين سافرت في إجازتي الصيفية لمدينة الاسكندرية مسقط رأس والدي رحمه الله, ونزلتُ في شقته القريبة من كورنيش الاسكندرية الساحر, وبجوار شقة الوالد كانت شقة أخرى أهداها لوالدتي, وكنا نستخدم الشقتين معا, لكن المشكلة تكمن في اضطرارنا لإبقاء بابي الشقتين مفتوحين نهارا لعدم وجود باب يوصل بينهما من الداخل, لكننا لم نجد كبير معاناة في ذلك لعدم وجود جيران بجوارنا, ولكوننا نقطن في الطابق الثامن, ويستحيل أن يرقى الدرج عاقل أو متطفل, خاصة من ساكني الأدوار العليا.
ومع ذلك كنت أتلقى من زوجي التحذير تلو التحذير من التحرك بلا حجاب بين الشقتين, وكنتُ أتشدق بأننا لم نصادف بشرا من قبل في هذا المكان إلا نادرا وذلك في حال انقطاع التيار الكهربائي, وهذا البشري في هذه الحالة أحد اثنين: إما آتيا من الأسفل لا يبصر ما أمامه, ولا يميز الأشكال والألوان, ولا حتى الكلام, وذلك بعد صعوده ثمانية طوابق أنهكت قواه الجسدية وفي طريقها للتأثير على قواه العقلية أيضا!
والحالة الثانية: أن يكون نازلا من الأعلى يغمغم بالشتائم التي سيعجز عن التلفظ بها في حال صعوده فيما لو استمر التيار الكهربائي مقطوعا! :)
 ولكوننا نرى البحر من بعض نوافذ الطابق الثامن فقد كانت تهب علينا رياح باردة ساحرة, لكن برودتها تجبرنا على اغلاق بابي الشقتين حتى لا نتعرض لوعكة صحية لا سمح الله.
 وذات صباح كانت الأجواء عليلة تميل إلى البرودة وبالتالي كانت الأبواب مغلقة, فاحتجت للانتقال إلى الشقة الثانية لأحضر شيئا من عند أختي الصغيرة التي صادف أنها هناك, لذا لم آخذ مفتاحا معي, وحين خرجتُ أغلقت الباب خلفي وتوجهت إلى باب الشقة الثانية أطرقه حتى تفتح لي أختي, وهنا كانت كارثة في انتظاري :)
سمعتُ خطوات أقدام آتية من الطوابق العليا ما يعني أن أحدهم ينزل درجات السلم.. طرقتُ الباب على أختي, لكنها لم تفتح.. مع أني أسمع صوت تحركها بالداخل, بل وكنت معها قبل أقل من نصف ساعة تقريبا, لكن يبدو أنها تجري تجربة الدخول في سبات شتوي داخل قالب جليدي عاقها عن الحركة!
 اشتد طرقي على الباب والخطوات تقترب, عدتُ أطرق على الباب الذي خرجتُ منه دون أي استجابة, فوجدتُ نفسي وقد حبستُ في الممر بين البابين!
 وكدت أجن.. أين أذهب؟ التيار الكهربائي لم ينقطع.. فمن هذا المجنون الذي يجرب نزول عشرة طوابق؟ وماذا أفعل أنا؟ بالطبع يستحيل أن أسبقه في النزول فرارا منه لأجد نفسي وجها لوجه مع عشرات الرجال بالأسفل! وليس هناك ثمة مكان أختبئ فيه في ذلك الممر, وللأسف ليس معي ما أستر به وجهي على الأقل؟ ثم لو كان معي ما أستر به وجهي.. هل يعقل أن أستر وجهي وأدع شعري وبقية ملابسي؟!
صوت الخطوات يقترب.. والأبواب لازالت موصدة, وليس هناك بادرة صوت تبشر بقرب فتحها!
فقررتُ أنه لا مفر من الثبات في موقعي والاستلام للواقع, فقط عليّ ترشيح أفضل وضع لاستقبال الواقع, فأدرتُ ظهري للدرج وقلتُ: أخفي وجهي أفضل! ثم شعرتُ أنني سأثير شكوك النازل, فهو لا يعلم أنني (منقبة) أصلا, وحتما سيتعجب إن رأى أمامه امرأة سافرة ترتدي بنطال وهي تخفي وجهها!!.. سيقول هذه بالتأكيد عضوة في إحدى العصابات الإجرامية المتخصصة بسرقة الشقق! ولربما يقف بشهامة ليحقق معي! انتفضت لهذا الاحتمال, فقررتُ في ثوان أن هذا الوضع غير مناسب, سأستقبل النازل بوجهي, على الأقل لأعرف من هو؟ فربما يكون صبيا صغيرا ويمر الأمر بسلام!
فأدرتُ وجهي وأنا أحاول اخفاء ملامحي بشعري.. بينما وجهي يكاد ينصهر من الحياء, ويدي التي كنتُ أطرق بها على الباب بقوة لا زالت على ذات الوضعية لكن الطرق تحول إلى تربيت يائس مضطرب! بعدما فشلتْ محاولاتي في إخراج أختي من لوح الثلج الذي جمدها لتدع تقمص دور البطاريق والسلاحف وتنقذني من هذه الورطة.
 وظهر النازل أخييرا...
كان شابا في أواخر العشرينات تقريبا, ويبدو أنه قرر خوض تجربة النزول بدون استخدام المصعد من أجل الرشاقة أو شيء من هذا القبيل.. نظرتُ إليه نظرة واحدة ووالله الذي لا إله غيره شعرتُ بوجهي من حرارته يكاد يميع ويتساقط أمام قدمي على الأرض.. وكدتُ أموت خجلا.
وحين مر بجواري تمهل في خطاه ثم ألقى علي السلام, كدتُ أصرخ: هذا ما كان ينقصني!
فكرتُ لأول وهلة ألا أجيبه.. لكن موقفي ووضعي ووقفتي الخارجة عن السيطرة لم يكن يضرها لو أني رددتُ عليه السلام, وقلتُ في نفسي: الوضع كله خارج السيطرة.. ما جات على السلام!!.. يعني الرجل يطلع ذوق وأنا أظهر له قلة ذوق بلا مبرر؟ هي خربانة خربانة :) فرددتُ عليه السلام بعد تلكؤ, لكني أخذتُ ألهج بالدعاء ألا يقف ليسألني عن أي شيء لأنني بالفعل على وشك الاغماء وبالكاد تحملني قدماي!
وتخيلتُ لو أن زوجي استجاب لطرقاتي على الباب ففتحه ليراني في هذا الموقف! حتما سيرسلني على أول رحلة للمريخ لأتطوع في فريق: رحلة إلى الفضاء بلا عودة :)
وحين أدار الرجل ظهره لي وأكمل النزول.. فتحت أختي (الرايقة) الباب, فأخذتُ أوجّه لها لكمات واهنة وأنا أتمتم بحروف تبدو للسامع عربيةً لكنها متملصة من قواميس الكلمات التي أعرف!
 وعلى أقرب كرسي ألقيتُ نفسي وأنا لازلتُ عاجزة عن تجميع الكلام.. فقط دموعي التي تحدثت من شدة ضغط الموقف! ومر وقت حتى استوعبت أختي ما حدث فأخذ تقهقه على ما جرى, وأن أضحك تارة وأمسح دموعي تارة وأوبخها ما بين هذا وذاك.
المهم أنني بدهاء الأنثى أخفيتُ الأمر تماما عن زوجي حتى لا يستشيط غضبا وغيرة وينزل عليّ أشد العقوبات ..كأن يلبسني القفازات أثناء تنقلي بين الشقتين مثلا!
 لكنه بحمد الله لم يعلم بما جرى مدة عامين.. فقط لاحظ وقتها أنني صرت أصطحب غطاءً على رأسي إذا خرجتُ, وصرت أكثر حذرا من ذي قبل.
 وفي كل مناسبة أتذكر فيها هذا الموقف أو أرويه لأحد من معارفي تأخذني موجة ضحك هادرة, فقررت أن أحكي الموقف لزوجي وأدخل السرور إلى قلبه بما أن عامين تامّين قد مرا على الحادثة.. وبالتأكيد كان الأمر خارج إرادتي, وهو أولا وآخرا قضاء وقدر .. و... و... وقصت عليه ما جرى... :(
المهم أن أحدث اكتشافاتي بعد ما قصصتُ عليه القصة هو: أن هذه المواقف لا تسقط بالتقادم أبدا, وأن محاولاته مجاراتي في الضحك كانت تبدو مفتعلة جدا, والدليل أنه كال لي من اللوم والعتاب ما جعلني أقول: ليتني سكتُّ!
كفانا الله وإياكم شر المواقف المحرجة, وجملنا بستره حتى نلقاه وهو راض عنا.

بنت اسكندراني

حرر ونشر 18/5/1436هـ                                                                                                                                       

هناك تعليق واحد:

  1. ههههههههههههههههه ايا ليت الزمان يعود يوما عشان م افوت المنظر بالعين السحرية ههههههه وافتح لك الباب بعدها طبعا ;-)

    ردحذف