الجمعة، 5 ديسمبر 2014

تَرَاوِيح مِن أَرْوِقَةِ المَسْجِدِ النَّبَويِّ الشَّرِيفِ..


 هذه قصاصات مصورة بقلمي ماجت في روحي واختلطت بدمي قبل أن تختلط بحبري, أسميتُها تراويح (جمع ترويحة وهي جلسات الراحة), فهي تراويح لنفسي وروحي.. صاغها قلمي في عقد تراه حينا متناسقا, وحينا تراه متباينا, ولا شيء يجمعها سوى أنها تنقل صورا من مسجد الحبيب المصطفى , فإن شئت قلتَ: أنها تراويح أدبية, أو قل: تراويح روحية, والأخيرة أقرب لأنني إنما كتبتُها متنفسا لروحي لا متنفسا لقلمي, فتراني إن أصبتُ البلاغة فيها مرة أخطأتُها مرات, وإن أجدتُ وصف معنى فيها لم أحسن وصف غيره من المعاني في كل مرة, وإنما جاءت تراويحي هكذا كيفا اتفق.

الترويحة الأولى:
صدح المؤذن بأذان الفجر أن: حي على الصلاة, وانساب صوته الرقراق بمقام حجازي يأسر الألباب، ومع ندائه خشعت الأصوات وهدأت، لا شيء يعلو صوته فوق الأذان.. وكلما انتهی المؤذن من مقطع تكاد همهمات ترديد الأذان خلفه تصنع ما يشبه الضوضاء, ولكنها ضوضاء حييّة تأتي بخشوع..
وحين انتهى المؤذن من نداء الفلاح؛ إذ بالناس بين قائمٍ وراكع وساجد، ومصلٍ على المصطفى  ومسبحٍ وحامد, ورافعٍ يديه يلهج بالدعوات، ومقلبٍ نظره بين الروضة والحصوات, ومصغٍ إلى زقزقة عصافير مختبئةٍ بين الثريا المدلاة, وآخر يبحث بين المصلين عن موضع قدم ليدرك الصلاة.

الترويحة الثانية:
حين تقام الصلاة في المسجد النبوي الشريف يعني ذلك إيذانا بالتئام الجموع في سلاسل بشرية متوازية ومتقاربة, فتتلاصق الأكتاف وتتلامس الأقدام، بعضها امتثالا للسنة، وبعضها تتلامس غير مخيرة من شدة الزحام, فهذا هو المسجد النبوي في رمضان!.
يبدأ الإمام في الصلاة فتنساب آيات الفاتحة إلى أذنيك وقلبك وروحك, وحين ينتهي منها ويجهر الجميع بالتأمين خلفه؛ تدركك لحظات صمت لا توصف إلا بكونها معجزة، فكل ما يُتوقع من رداتِ فعلٍ بشرية يمكن أن تصدر من هذه الآلاف المؤلفة إلا الصمت! فإذا أصغيتَ لصمتهم ذاك غشيتك رجفة خشوع تذكرك بعظمة الوقوف بين يدي الله, فتذكر قول الله: "وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا".
فالحمد لله الذي منّ عليك أن تكون قطرة من هذا البحر المبارك الذي يقف للصلاة في ثاني المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال, وكم من قلوب تشتاق لموضع قدمك هذا, فلله الحمد والمنة.

الترويحة الثالثة:
في صلاة التراويح في المسجد النبوي لا يكفي أن تجد لك مكانا بين الصفوف لتصلي فيه؛ بل لابد أن تؤمِّن لرأسك موضعا بين أقدام المصلين وبين أرجل الكراسي التي يجلس عليها بعض من يقف في الصف الذي أمامك, ولن تكون محظوظا في كل يوم برؤية بقعة كافية من السجاد الأحمر الخاص بالمسجد النبوي الشريف تنتظر رأسك الكريم!.
وحين ييسر الله لك أن تؤمِّن موضعا لسجودك فلا تسلم من أن تجد عليه بضع حبات من السمسم اللاتي تناثرن من موائد الافطار التي نصبت في ذات المكان بعد أن أخطأتهن يد عمال النظافة, وقد تتلصق حبات منهن بجبهتك عند السجود!
ومع كل هذا وذاك.. ومع كل ضيق أو معاناة ستجد نفسك منجذبا إلى المسجد النبوي في اليوم التالي لتعيد التجربة ثانية كالمسحور.
فاللهم لا تحرم من المسلمين مشتاقا لزيارة هذه الرحاب الطاهرة.

الترويحة الرابعة:
حين تطأ ساحات المسجد النبوي قبيل آذان مغربِ يومٍ من أيام شهر رمضان بنصف ساعة تقريبا؛ حتما ستتفاجأ بساحات أخرى غير التي تعرفها, بل وغير تلك التي تنقل لك عبر شاشات التلفاز وقت الإفطار, فهناك على أرض الواقع إدراك آخر, وشعور مغاير, وانبهار أعمق, تعجز جميع الكاميرات عن نقله بكل ما يحمل من جمال وروعة, فثمة أعداد كبيرة جدا من موائد الإفطار العامرة بما لذ وطاب قد غطت الساحات جميعها, وقد صفتْ في مربعات متجاورة, فكأنما جرى قلمٌ بينها فرسمها وضبط أبعادها, ثم خطّ بينها دروبا وطرقا للمارة!, وعلى تلك الموائد خلق من شتى أجناس الأرض التي تعرف والتي تجهل, وجميعهم ـ على جوعهم وذبولهم وحرارة الجو التي تلفعهم ـ يجلسون بسكينة أمام الطعام, منهم من تشاغل بتوزيع التمر على الصائمين حوله, ومنهم من أقبل على الله يدعو, ومنهم من انشغل بتلاوة القرآن, في انتظار أن يحين الوقت الذي يسمح لهم فيه الله  بالإفطار بعد أن أمسكوا عن الطعام والشراب لأجله... فعجبا لهذه المعاني الجميلة التي تحاصرك في خطواتك القليلة التي تخطوها في الساحات للوصول إلى داخل الحرم!
وفي تلك الخطوات التي تقطعها في ساحات المسجد النبوي يستقبلك فتية وولدان, وشيبا وشبان يدعوك كل واحد منهم ـ بكرم أهل المدينة وبلهجتهم المحببة ـ لتلحق بمائدته داخل الحرم وخارجه ليتشرف بخدمتك, وليكسب أجر إفطار مسلم, ورغم بساطة الموائد التي نصبت داخل الحرم مقارنة بتلك التي في ساحاته فإن اللقيمات التي ستقتاتها من تلك السفر المباركة ستكون أحب إليك من موائد أفخر المطاعم, وموائد (البوفيهات) المفتوحة, بل وستعلق بلذة بساطتها في ذاكرتك ما حييت... ولا تسل عن خفة الصلاة والعبادة بعدها.

الترويحة الخامسة:
حين تتأمل موائد الإفطار التي تمتد داخل أروقة المسجد النبوي الشريف تقف مبهورا من شدة العجب, فهي موزعة بين المصلين وقد غطت المساحات المخصصة للصلاة واخترقت الجالسين عرضا وطولا, ما يعني أن صلاةً يستحيل أن تقام وتصف لها الصفوف حتى تنتهي هذه الفوضى التي قد تستغرق ساعة لإزالتها على أقل تقدير! ومع ذلك سيتعاظم عجبك وانبهارك حين ترى أن إزالتها والتئام الصفوف مكانها لم يستغرق من الوقت سوى عشر دقائق فقط لتقام الصلاة وكأن شيئا لم يكن.. وكأن طوفانا لم يمر!
فأين المستهزئون بالعرب والمسلمين لأنهم أهل فوضى لا يعرفون النظام ليتأملوا هذه الخلية العظيمة التي تعمل بانسجام ودقة؟!..
مشكلتنا الحقيقية أننا لا نتعلم الكثير من ديننا.

الترويحة السادسة:
قبيل صلاة العشاء وكذلك قبيل صلاة التهجد في المسجد النبوي بربع ساعة تقريبا ستعتادُ ـ كما اعتاد أهل المدينة ـ أن تشتمّ رائحة بخور زكية تتسلل إليك عبر فتحات التكييف الذهبية الموجودة في الأعمدة البيضاء, فكأنها تعلمك هي الأخرى أن وقت الصلاة قد اقترب, فلا تبدأ الصلاة إلا والمسجد النبوي يعبق برائحة عود طيبة, وليس هذا فحسب .. بل ربما يأتيك في الاستراحات القصيرة بين الركعات رجل وقور أو شيخ مسن قد أمسك بيده قنينة مسك, وراح بعناية يمسح بالمسك الزكي على أيادي المصلين, وكلما استحسن أحدهم الرائحة ازداد وجهه الرجل بشرا وهو يستقبل الدعوات ويتمتم بـ: آمين آمين.


حرر ونشر في17/07/2014م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق