الأربعاء، 30 يونيو 2021

المقعد المجاور لي في القطار!

أثناء تصفحي في وسائل التواصل الاجتماعي وجدت منشورا لإحدى الفتيات تحكي عن تجاربها في الحياة فتقول: "ولا يزال الشخص صديقا لك حتى تنتهي مصلحته وحاجته، ومتى انتهت تلك المصلحة فلا تعجب إن فقدت أثره وانقطع عنك خبره.." 
فشدني ألمها وتوجعها واتهامها للناس حولها بالخيانة والأنانية والكذب، وتمنيت فيما لو أنها نظرت للأمور من زاوية أخرى، فلعلها تكون أخف وطأة وحدة من الزاوية الحزينة التي تقوقعت بها، فكتبت معلقة على منشورها:

عزيزتي.. أفهم الحياة بشكل مغاير عنك بعض الشيء، وفهمي هذا يريحني في هذا الموضوع بالذات. فحياتنا رحلة قصيرة في قطار سريع، وحول القطار قطارات أخرى، وتحتها مسارات مختلفة. بعض القطارات تلتقي ببعضها حين تتوقف في المحطات، ثم تتفرق ثانية! والناس في حركة نزول وصعود مستمر.

هذه هي الحياة ببساطة! هناك الكثير من المقاعد الفارغة حولي وحولك، وجلوس أحدهم في المقعد المجاور لي أمر يؤنسني، لكن الجميل أن أتفهم جيدا أنه لا يلزم الجالس بجانبي أن يستمر معي في ذات المقطورة حتى لو كان من أقرب الناس لي (كوالد ووالدة وأخ وأخت أو زوج وولد)، فمصالح كل منا قد تتعارض وتختلف يوما، فيحتاج للنزول ليستقل قطارا آخر يوصله إلى مبتغاه، وقد أضطر أنا لفعل ذلك!.
إن إدراكي لهذا الواقع يا عزيزتي لا يجعلني أتوقع الكثير من الآخرين بفضل الله، بل يجعلني ممتنة للمدة الجميلة التي قضوها معي وقضيتها معهم، وممتنة لتلك الذكريات التي تركوها في جعبتي. كما أن إدراكي لهذا الواقع يجعلني ألتمس الأعذار للآخرين دوما، فليس خائنا ولا ناكرا للجميل ذاك الذي اختلفت خطط سيره عن خطة سيري فاضطر للنزول! وليس من الحكمة أن أبكي على أحدهم بجزع وحزن ويأس.. خاصة وأن أعمارنا قصيرة، وثمة لقاء أبدي في مكان سرمدي ينتظرنا هناك في ضيافة الرحمن بمشيئة الله.
فلم الاستوحاش والقلق؟ ولم الشعور بالتعرض للخيانة والظلم؟ لم نحزن على تنكر الأصدقاء وانشغالهم عنا؟ فالأمر أبسط مما نظن ونخمن، لأن رحلتنا في الحياة أقصر مما نتوقع، والمسافر الفطن ينبغي ألا يشغله سوى الوصول إلى هدفه ومبتغاه بسلام وأمان.

 حفصة اسكندراني

الأربعاء، 28 أبريل 2021

كيفَ كَانَ النَّفَسُ الأخيرُ يَا أمّي؟


إذا فُجِعتَ بفقدِ أحدِ والديْكَ تتوقفُ أكوانُكَ عن الدورانِ، وتتهاوى نجومُ سماءِكَ، وتتصدعُ أركانُكَ، حتى أنكَ لتبصرُ الصدعَ وهو يزحفُ نحو كيانِكَ، فيخترقَهُ زحفًا نحو روحِكَ، ليُحدِثَ شقوقًا وجروحًا عميقةً فيها، ولا تزالُ في حالةَ ذهولٍ من هولِ الصدمةِ، فلا تعلمُ هل أنتَ في يقظةٍ أم في منامٍ؟ وهل استوعبتَ ما قالوه أم أنكَ عاجزٌ عن السمعِ والبصرِ فضلاً عن الاستيعابِ؟!، فثمة أستار تُسدَلُ أمامَ ناظريْكَ، تحولُ بينَكَ وبين رؤيةِ ما حولَكَ، وإذْ بالمسافاتِ التي تُبصرها تفرغُ من كلِّ شيءٍ، وفي ركنٍ قصيٍّ من ذلكَ الفراغ ترى الطفلَ الذي بداخلِكَ يجري هنا وهُناكَ في اضطرابٍ وقلقٍ، طفلٌ بائسٌ أشعثٌ باكي العينينِ، قد أضاعَ يدَ الحنانِ التي كانتْ تُمسِكُ بهِ، وهو لا يعلمُ إلى أيِّ اتجاهٍ يفرُّ؟

صدقني سيصرخُ الطفلُ الذي بداخِلكَ أولًا، وسيبكي بحرقةٍ فقدَ الأبِ أو الأمِّ قبلَ أن تتجاوبَ دموعُكَ أنتَ مع الحدثِ، سيصرخُ الطفلُ وينهارُ أمامَ ناظريْكَ في ذلكَ الفراغ، حتى أنّكَ ستسمعُ نحيبَهُ قبلَ نحيبِكَ، وستشفقُ على ضياعِهِ قبلَ ضياعِكَ، وستبكي على واقِعِهِ قبلَ واقعَكَ. 

فما أشدَّ هذا الشعورُ، وما أفتكَ ذلكَ الفقدُ!

هذا جزءٌ مما شعرتُ به حينَ فقدتُ والدتِي ـ رحمَها اللهُ ـ قبلَ ما يقربُ من أربعةِ أشهرٍ، ومنذُ ذلكَ الوقت وأنا أطببُّ نفسي وأداوِيها، حتى أقوى على إمساكِ القلمِ ثانيةً، فحقٌ على قلمٍ سالَ بمقالاتٍ عدةٍ في مناسباتٍ مختلفةٍ من حياتي أنْ يُخلِّدَ ذكراها، ولو بأحرفٍ حزينةٍ بالكاد تتمالكُ نفسَها لتصطفّ على السطورِ، حتى تحكي جملةً من مشاعري، وتروي طرفًا يسيرًا من ألمِ فقدِها، وواللهِ لولا فضلُ اللهِ عليَّ ورحمتُهُ لما ثَبُتَ الفؤادُ ولا تمالَكَ، فلِلهِ وحدَهُ الحمدُ والمنّةُ، فهو الذي يُنزِّلُ برحمتِهِ مع البلاءِ صبرًا يهوِّنُ وَقْعَهُ، ولطفًا يخففُ وطأتَهُ. 

وإنِّي يعلمُ اللهَ قد بدأتُ هذا المقالُ منذُ شهرينِ أو يزيد، غيرَ أنِّي لم أقوَ على إكمالِهِ، وحينَ أتى شهرُ رمضان المباركِ ـ وهو أوّلُ شهرِ رمضان لي في الحياةِ بدونِها ـ حاولتُ جاهدةً أن أتمالكَ نفسي لأدوِّنَ مشاعري لحظةَ وفاتِها، ولكي أفصح عنِ التساؤلِ الذي لطالما أردتُ سؤالها عنه منذُ رحَلَتْ: تُرى كيفَ كان النّفَسُ الأخيرُ يا أمِّي؟ 

وقبلَ أن تتعجبَ يا قارئِي من سؤالي هذا فإنّ لهذا التساؤلِ قصةُ حدثتْ قبيلَ وفاةِ والدتي الحبيبةِ، فقبلَ شهرٍ من وفاتِها تقريبًا، كنتُ أنا وهي مع زوجي في سيارتِهِ متوجهونَ إلى مكانٍ ما، وقد تطرقنا لحديثِ الساعةِ آنذاكَ وهو مرضُ كورونا وآثارِهِ على الناسِ من حولِنا، وقد كانتْ والدتي رحمها اللهُ في أتم صحة وعافية، وكانت تُحسِنُ التوكّلَ على اللهِ، ولا تُظْهرُ جزعًا أو خوفًا من ذلك الوباءِ، غيرَ أنَّها في ذلكَ اليومِ بالذات أبدَتْ قلقَها من هذا المرض فقالتْ: مشكلةُ هذا المرضُ أنه كما قالوا يُصيبُ الجهازَ التنفسيَّ، وأيُّ مرضٍ يصيبُ الجهازَ التنفسيَّ يُقلِقُني!. 

قالتْ هذا لأن لديْها ضيقٌ في مجرى التنفسِ حذَّرها الأطباءُ منه، حتى أنّها لتغصُّ في حباتٍ قليلةٍ من الأرزِ، وأحيانًا تغصُّ بلا سببٍ، ثم تحاولُ استعادةَ أنفاسَها بعدَ ذلكَ بصعوبةٍ، لذا فخوفُها ذلكَ كان له ما يبررُه، لكنها فاجأتْني حينَ أضافتْ:
دائما ما أفكرُ في صعوبةِ النفسِ الأخيرِ في هذهِ الحياةِ، حينَ أحاولُ أخذَ الهواءِ ولا أستطيعُ، وأحاولُ عبثًا فلا أستطيع.. فياربِ هوِّنْ عليَّ النفسَ الأخيرَ وصعوبتهُ، وأخرجنا منها على خيرٍ!

لأوَّلِ وهلةٍ صُدمتُ من كلامِها، غيرَ أنِّي سمعتُ نفسي أرددُ مع زوجي عباراتٍ تقليديةٍ تقالُ في هذا المقام: سلّمكِ اللهُ من كلِ سوءٍ.. بعدَ عمرٍ طويلٍ.. حفظكِ اللهُ لنا.. الخ. 

وبعدَ أن أنهيتُ عباراتي شعرتُ أن كلامي كان سطحيًا لأبعدِ حدٍ مقارنةً بعمقِ عباراتِها وما تحملُه من قلقٍ عميقٍ، فوجدتُ نفسي أكملُ بعد صمتٍ يسيرٍ وكأنَّ اللهَ يُلهمني ما أقولُ: وبعيدًا عن عباراتِ المجاملةِ التي أسمعنَاكِ إيَّاها.. تعالي نتحدثُ قليلًا عن النفسِ الأخيرِ، باللهِ ما الذي يخيفُكِ من نفسٍ بعده ستلقينَ اللهَ تباركَ وتعالى؟ إنّهُ نفسُ السعادةِ ذاكَ الذي نلقى بعدَهُ أرحمَ الراحمينَ، إنه أجملُ نفسٍ وأهنأُ نفسٍ، إنهُ نفسُ الطمأنينةِ والسرورِ! 
ثم تابعتُ حديثي قائلةً: هبي أنّ انسانًا لم تلتقيهِ من قبل، وبينَك وبينَهُ مسافاتٍ، لكنهُ اعتادَ أن يرسلَ إليكِ كلَ عامٍ بهديةٍ تسعدُكِ وتبهجُكِ، ثم تيسَّرَ لكما بعد زمنٍ أن تلتقِيا، فكيفَ ستكون سعادتِكِ بلقاءِهِ؟؟ وكيف سيشتعلُ حماسُكِ لشكرهِ وجهًا لوجهٍ؟ 
فكيف بملكِ الملوكِ الذي ينعمُ علينا سنواتِ عمرِنا كلِّه، ويغدقُ علينا بعطاياهُ مذُ وُلدنا وحتى يومنا الحاضرِ، وهو مَنْ وهبنا الصحةَ والعافيةَ والمالَ والجمالَ والذريةَ، وغيرِها من الهباتِ، ونجَّانا من الكثيرِ من الحوادثِ والمصائبِ، وهو الذي شغلَك بتعليمِ كتابِهِ وجعلَكِ بمنِّهِ وكرمهِ من مقرئات المسجد النبوي.. فأيُّ لقاءٍ أجملَ من لقاءِ ملكِ الملوكِ؟ وأيُّ سعادةٍ تلك التي ستشعرينَ بها في ذلكَ النفسِ الأخيرِ الذي يقلقُكِ؟ إنّما ذلكَ القلقُ وهذا الخوفُ (منَ الشيطانِ ليحزنَ الذين آمنوا وليس بضارِهم شيئاً إلا بإذنِ اللهِ وعلى الله فليتوكلِ المؤمنونَ).. فأبشري بالخيرِ يا غاليةَ، فمَنْ أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَهُ، وفي الحديثِ القدسيِّ: (أنا عندَ ظنِّ عبدي بي)، وإنَّا واللهِ لنظنُّ بربِنا خيرًا، وأنَّ النفسَ الأخيرَ الذي يعقبُهُ لقاءُنا به هو أروعُ لحظةٍ في حياتِنا.. أطالَ اللهُ عمرَكِ على طاعتِهِ ورزقنا وإياكِ حسنَ الختامِ. 

حينها تمتمتِ الوالدةُ بعباراتِ تفاؤلٍ لا أذكرَها، غيرَ أنَّها كانتْ سعيدةً بما سمعتْ، حتى لكأنَ وجهُها أضاءَ بشرًا وطمأنينةَ بعدَ تلكَ الكلماتِ.. فاغتبطتُ حينها بذلكَ، وما كنتُ أدري أنّها ستُصابُ بوباءِ كورونا بعدَ حديثِنا هذا بأيامٍ معدوداتٍ، ثمّ بعدَ إصابتِها بعشرةِ أيامٍ أُدخِلَتِ المشفى، ثم العناية المركزةِ، ولا نملكُ دليلًا حتى يومِنَا هذا على أنّها كانتْ بحاجةِ لدخول المشفى فضلًا عن العنايةِ المركزةِ، نعم لقد شخَّصَها الأطباءُ منذُ أوّلِ لحظةٍ بالتهابٍ رئويٍّ حادٍ تحتاج معه إلى أجهزةِ أكسجين!، لكنَّها ويالَ المعجزة لم تكنْ تشكو من ضيقِ نفسٍ، ولم تصابْ بسعالٍ، ولم تغصَّ من قلةِ الأكسجين، بل كانتْ تشكو من عسرِ هضمٍ طوال الوقتِ فحسب، فكأنَّ اللهَ تباركَ وتعالى استجابَ دعاءها ذاكَ، فلم تعاني من مشاكلِ التنفسِ التي كانتْ تُقلِقُها، بل ظلَّتْ نائمةً في أصعبِ لحظاتِ مرضِها، خاصةً حين أُصيبتْ رئتيْها بالفشلِ التامِّ، وكذلك في لحظاتِ احتضارِها بسبب جرعاتِ المنوِّمِ التي حقنوها بِهِا، غيرَ أنَّ اللهَ وفّقَ إخوتي وألهَمَهُم وضعَ تسجيلٍ يقرأُ الرُقيةَ الشرعيةَ وآياتٍ منِ القرآنِ الكريمِ قربَ رأسِها طوالَ الوقتِ ودونَ توقفٍ، وذلك بناءً على رغبتِها رحمَها اللهُ، ثمّ وَفقَنَا اللهُ وتناوبنَا في الدّخولِ عليها نُرقِيها باستمرار، وندهِنُ جسدَها بزيتٍ مباركٍ تُلِيَ عليهِ ختماتٍ من القرآنِ، كما وَفّقنا اللهُ لأنْ نقرأَ عليها سورةَ البقرةِ مراتٍ عديدةٍ ونحنُ على يقينٍ أنّها لنْ تعدمِ بركَتَها بإذنِ اللهِ.

 وقبيلَ وفاتِها بساعةٍ أو يزيد تجردتُ من مشاعري كابنةٍ، وقيدتُ عاطفتي في ركنٍ قصيٍّ حين شعرتُ أننا نفقدها، وأنها راحلة من دنيانا، فوقفتُ عند رأسِها أُلقنُها الشهادةَ رغم أنها نائمة، ورحتُ أحدِّثها عن نفسِ السعادةِ الذي تحدّثنَا عنهُ، وأدعو لها بالثّباتِ، وأنْ يحشرَها اللهُ مع منْ أحبّتْ، وأَن يجعلَها من أهلِ البقيعِ كما كانتْ ترجو، وأبشِّرُها بتأمينِ الملائكةِ على هذا الدعاء كما قالَ الحبيبُ المصطفى صلى الله عليه وسلّم، وأحدِّثُها عن كرمِ اللهِ تباركَ وتعالى، وعنْ روعةِ لقاءِهِ، وأقرأُ عليها آياتٍ من القرآنِ الكريمِ، وأودِّعُها وأستودِعُها اللهَ الذي لا تضيعُ ودائعَهُ، وكنت على يقين أنها تسمع وتعي كلامي، وبُعيدَ ذلكَ فاضتْ روحُها الطيّبة لبارئِها مع أذانِ فجرِ يومِ الجمعةِ العشرون من شهرِ ربيعٍ الأولِ لعامِ ١٤٤٢هـ، الموافق السادسِ من شهر نوفمبر لعام ٢٠٢٠م، وقدْ أحدَثَ نبأَ وفاتِها صدمةً مُزلزِلةً لإخوتي وأُسَرِهِم، وسبّبَ حزنًا كبيرًا بين أهلِ القرآنِ في مدينةِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليهِ وسلّمَ.

ورغم الرُؤى والبُشرياتِ التي تُرى لها وتتوالى علينا عن سعادتِها في حياةِ البرزخِ، وأنَّها لازالتْ تُقرِئُ القرآنَ كما اعتادتْ، وأنّها حيّةُ لم تمُتْ، إلا أنّني وددتُّ بكلِ كياني لو سألتُها ذلكَ السؤالُ الذي يشغَلُني: تُرى كيفَ كانَ النفسُ الأخيرُ يا أمّي؟، فأنا اليومَ في أمسِّ الحاجةِ إلى سماعِ ذلك.

رزقنَا اللهُ وإيّاكُم العملَ لأجلِ ذلكَ اليومِ، ورزقنا حسنَ طاعتِهِ وحسنَ عبادتِهِ، وختمَ لنا حياتَنا بالطمأنينةِ والرضوانِ، وإني لأسأله تبارك وتعالى أن يرحمَ أمّي وأبي برحمتِهِ التي وسعتْ كلَّ شيءٍ، الّلهم ارحمَهما كما رَبَّوْنا صِغارًا، الّلهم إنهُما قد نزلا في ضيافَتِكَ وأنتَ أكرمُ الأكرمينَ، الّلهم أنِرْ قبرَهما، وآنِسْ وحشَتَهُما، واجعلِ القرآنَ رفيقَهُما، واجمعنا بهما في فِردوسِ جنّتِكَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرّاحمينَ.

**عن والدتي الأستاذة فاطمة إبراهيم المقرئة بالمسجد النبوي أتحدث.

بقلم حفصة اسكندراني
حرر في ١٥ رمضان ١٤٤٢ه

الأحد، 13 سبتمبر 2020

عزفتْ عن الزواج بعد وفاة زوجها !!


استكتبني أخ فاضل في الرد على امرأة صالحة توفي عنها زوجها وهي شابة، فعزفت عن الزواج بعد وفاة زوجها وفاء له، رغم كثرة خطابها من الصالحين.. فطلب إلي نصحها واقناعها بالعدول عن ذلك. 

 فخطت أناملي لها ولأمثالها ما يلي: 

ما أروع خلق الوفاء وما أنبله!!، وما أروع المتصفين به!!، ترى النفوس تهفو لسماع قصص الوفاء وتأنس برؤية صوره، وتقف باحترام وتقدير أمام أهل الوفاء لسخاء عطاءهم، ونقاء معدنهم، وطيب أصلهم، وكلما كان بين جنبينا قلبا رقيقا ومشاعر مرهفة؛ كلما طربنا بقصص الوفاء في أي زمان كانت، وفي أي مكان حدثت. لأن عواطفنا حين تنبض بحب أحدهم بصدق فإنها تجند القلب والعقل لأجل إسعاده، وبذل كل ثمين في سبيل ذلك. وحين نصاب بفقد هذا الحبيب بموت فإن عواطفنا وقلوبنا - تلك المضغ الرقيقة - تعلن الحداد عليه، فلا عجب أن ترى المحب بعد فقد حبيبه وقد نئا بنفسه عن مباهج الحياة، يعاقب نفسه على فقدٍ لم يكن بيده، فيحاول منع أفلاكه من الدوران حسب ظنه، وهيهات لها أن تتوقف عن الدوران، فسنة الكون أن تستمر الحياة، وتبرأ الجراح، وتجود السماء بغيث مدرار، فتنبت الأرض من بعد جدب، وتتفتح الأزهار ثانية..

 وليس ثمة مشاعر وفاء أجمل من تلك التي تترجم فعلا يصل الى المحب حيث هو فتسعده، ولا سبيل لذلك إلا بالقنوات التي حددها الشرع إذا مات ابن آدم وانقطع عمله، وأما الحداد عليه والحزن ومعاقبة النفس على فقده فلن يصل إلى الميت ولن يسعده. 

 فلأي شيء نكبل أنفسنا عن أن نعيش سعداء نبحث عما يسعدنا ويجعل حياتنا أكثر راحة وهدوءا؟!!

 ألم يأمرنا ديننا ب (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)؟

 أليس ألقاء أنفسنا في براثن الوحدة والمعاناة إهلاك لها؟؟ 

 أليس تكبيل الفؤاد عن مشاعر الحب وأدٌ للروح؟؟ 

 أليس اعلان الحداد الأبدي ظلم للنفس؟؟ 

 ألا يمكن لتلك المرأة التي فقدت زوجها وحبيبها أن تعاود الزواج ثانية وتعطي نفسها فرصة أخرى؟؟، فلنفسها عليها حقا. 

 نعم أوافقها أن نسيان الحبيب الذي مات هو ظلمٌ لذكراه، وكذلك قتل قلبٍ حيٍّ وتعذيبه هو ظلم أيضا، وقد يكون الأخير منهما أشد ظلما وبشاعة من الأول. فلا شيء يحول بين قلب أوجعه طول الحزن؛ وآلمه علقم الفراق من أن ينبض بالحب مرة أخرى سوى الموت، ومادمنا أحياء فلم نتقمص دور الأموات؟!!


 ولو أننا تأملنا في الأمر بمقاييس العالم الآخر؛ ترى هل ينتظر زوجها الذي لقي ربه، وعاين حقائق الموت، ورأى الملائكة، وعاين نافذة من الجنة أو من النار تطل عليه في قبره.. ترى هل ينتظر وفاءها له وبين يديه حياة برزخية يرقب انتهاءها بقيام يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت؟؟.


   وهل يا ترى إذا كتب الله دخول ذلك الزوج للجنة بعد أهوال يوم عصيب وقد رزقه الله فيها عشرات من الحور العين.. ترى سيحزن أو يداخل قلبه ألم لأنه لم يجد زوجته ضمن زوجاته؟!! مع العلم أن الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه قد يخير المرأة بين أحب أزواجها إليها وأفضلهم عشرة لها ليكون زوجها في الجنة (على قول من أقول العلماء في هذه المسألة)، فإن لم يكن الأمر كذلك أو كان هذا القول ضعيفا فإننا نعلم علم اليقين أن الله تبارك وتعالى بعظيم منه وكرمه لا يحزن أحدا على أحد، فهناك حيث الجنان.. لا غل هناك ولا هم ولا حزن، بل أفراح وسعادة، ورضا عن الله وعن النعيم الذي خص به عباده في جنات النعيم. 

 ولو أن وفاء المرأة لزوجها المتوفى عنها - بكونها تمنع نفسها من الزواج بعده - يعد من المكرمات لما فات ذلك نساء خير القرون (الصحابيات)، ولتواصين على فعل ذلك، ولكن هذا لم يحدث، ودوننا التاريخ يشهد، فسير السلف لم تفتأ تحكي عن صحابيات مات عنهن أزواجهن فتزوجن بعدهم بآخرين. هذا لأنهن استوعبن أن الحياة الدنيا إنما هي ممرّ تحفه الابتلاءات، يأخذ بنا نحو الآخرة، وأن هدف كل واحدة منهن هو أن تحسن لنفسها في هذه الرحلة بعبادة الله وطاعته، وعليه فإن كل ما يؤنسها الله به من رفيق وحبيب في هذه الرحلة سواء أكان زوجا أو ابنا أو أبا أو أخا فهو نعمة من الله، ولن تتوقف الحياة ولن تفشل بفقدهم أو فقد أحدهم، لذا فهي تنظر في أمر نفسها بعقل وحكمة، فإن رأت أنها بحاجة لرجل يعينها على الوصول إلى هدفها الأسمى وهو مرضاة الله؛ فعلتْ، ولم تتشدق حينها بعبارات وطقوس الوفاء التي لا فائدة للميت منها. 

 وحقيقة لو أن لمنع المرأة نفسها من الزواج فضل أو عظيم أجر أو مصلحة في الدنيا ورفعة في الآخرة؛ لدلنا على ذلك المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ولنبهنا - معشر النساء - على ذلك، فهو يقينا لم يفته خيرا إلا أرشدنا إليه ودلنا عليه. 

 يبقى الأمر الأهم من وجهة نظري هو: ألا تقدم أي امرأة توفى عنها زوجا تحبه على الزواج حتى يتأكد لها أنها بحاجة حقيقية لمن يستكمل معها مشوار الحياة ليكون لها سندا ومعينا، سواء كانت وحدها أو كان لها أبناء بحاجة لأب يأخذ بأيديهم وينفق عليهم ويرعاهم، ولتعلم - رعاها الله - أن التمهل والتأني في الاختيار مطلب لا تنازل فيه ولا مجاملة، فلا مجال من وجهة نظري للقبول برجل أقل نبلا وخلقا وكرما وصلاحا من الرجل الذي فقدته، فإما زواجا مدروسا متكافئا يعينها على العيش براحة بال لتتفرغ لطاعة الله وحسن عبادته؛ وإلا فلتبق على حالها، فأرملة وحيدة حزينة منشغلة بعبادة الله خير عندي من امرأة شقية تعيسة بزوج يكدر عليها صفو حياتها، ويفسد عليها دنياها وآخرتها، ويشغلها عن طاعة الله وحسن عبادته. 

 والله الله في الدعاء وكثرة اللجوء إلى الله تبارك وتعالى بأن يرزقنا وإياكم خيري الدنيا والآخرة، وأن يلطف بنا ويرحم ضعفنا، ويسترنا بستره الجميل حتى نلقاه وهو راض عنا غير غضبان.

 هذا ما لدي من نصح لهذه المرأة.. وأسال الله أن يوفقها للخير ويعينها على طاعته وحسن عبادته. بنت اسكندراني

الأربعاء، 10 يونيو 2020

وتَلَكَّأْتُ هُنَيْهَة.. (مشهد يختزل أحداثي زمن كورونا)

حينَ مدتْ يدها لتتكئَ عليَّ؛ تلكأتُ هُنَيهة!!، وهالني أنّي تلكأتُ، وظلّ تلكؤي هذا جاثما على صدري، يؤلمني ويقضّ مضجعي كلّما تذكرتُه. ألا قاتلَ اللهُ ذلك (الفايروس) وما صاحَبه من إرجافٍ وقلقٍ! ألا قاتلَ اللهُ جبني وخوفي وهواجسي، التي جعلتني أحارُ لثانيةٍ في الاستجابةِ ليدِها الممدودة لي، وقد كانت ترجو أن أعاونها في اعتلاءِ درجاتٍ مرتفعةٍ من الرخامِ المطلِّ على بقيعِ الغَرْقَدِ في مدينةِ الحبيبِ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.

 كانتْ مكْلومَةً حزينةً لفقدِ أخيها، تُتمتمُ بالدعاءِ له تارةً، وتشهقُ بالبكاءِ عليه تارةً، تحدّثهُ بعباراتِ الوداعِ، وتحكي له عن لوعةِ الفراقِ، ثم تهنّئهُ بحسنِ الخاتمةِ، وتيسيرِ الدفنِ في هذا المكان المباركِ، وهذا الزمان المباركِ (رمضان)، وكأني بها تخالُه يسمعُها، وينصتُ لهمهماتِ حديثها، ويتألمُ لبكائِها، ويتلقى تهنِأتَها بغبطةٍ، بل ويبادلَها عباراتِ الوداعِ.

 وتحتِ أشعةِ الشمسِ الحارقةِ في نهارِ رمضانَ في اليومِ التاسعِ عشرَ من أيّامهِ المباركةِ.. وأمامَ أسوارِ البقيعِ؛ اعتليتُ درجاتِه المرتفعةِ بعد أن خرجنا من مغسلةِ الأمواتِ، وصلى الرجال في المسجد النبوي على الأموات، فوقفتُ هناك لأنظرُ في أيِّ اتجاهٍ وإلى أيِّ بقعةٍ ستتجهُ جموعُ الرجالِ الذين يحملونَ جسد خالي الحبيب (رحمهُ الله)، وبينما كنتُ أتأملُ بهيبةٍ تلك المساحاتِ الخاشعةِ الممتدةِ من ثرى دنيانا وحتى الآخرة؛ إذ بها تناديني وقد مدَّتْ يدها لي - دون قُفازٍ - كي أسحبَها لتصعدَ بجواري!.. فتلكأتُ حينَها!!، نعمْ تلكأتُ عن التقاطِ يدِها، والمبادرةِ في مدِّ يدِ العونِ لها، وللأسف هي لم تكنْ أيَّ نكرةٍ من الناسِ حتى أتغاضى عن الاستجابةِ لها، وإنما هي كانتْ والدتي الحبيبة!!!، لا أدري تحديدا ما الذي جعلني أتجمدُ في مكاني للحظاتٍ؟!!، هل لأني توقفتُ عن مصافحتِها واحتضانِها وزيارتِها مُذْ بدأتٍ الأزمةُ، وذلك لخوفٍ مني عليها بناءً على التحذيراتِ الطبيةِ؟؟، أم أنني تلكأتُ حين تذكرتُ انتشارَ الوباءِ بين أهلِ المدينةِ؛ وبالأمسِ القريبِ أصيبَ به أحد إخوتي مع جميعَ أفرادِ أسرتِه، ولازالوا حتى تلكم اللحظة في الحجر الصحي؟؟ أم أنني تلكأتُ لأني أسكنُ في نفسِ المبنى الذي يقطنُ فيه أهلُ زوجي وأخالطهم يوميا، ولأجلِ ذلك أخشى أن أخالطَ أحدا خارجَ المنزلِ - كما يحذرُ الأطباءُ - فأعودُ إليهم بما يسوءَهم لا سمحَ اللهُ؟؟

 وأياً ما كانتْ الأسبابُ والمبرراتُ التي جالتْ برأسي حينها؛ وأيا ما كانتْ درجة منطقيتِها؛ فالمحصلةُ هي أنني قد تلكأتُ عن جذبِ اليدِ المباركةِ التي مُدّتْ لي لثوانٍ عدةٍ، هذه هي الحقيقةُ الوحيدةُ التي تعنيني وتؤلمني بين هذه الأسطرِ، فذاكرتي مذ وعيت على الحياةِ لا تحملُ موقفا واحدا ترددتْ فيه هذه اليدُ الحانيةُ عن مساعدتي وحسنِ العنايةِ بي.. فما أشدُّ لوعتي!

 وبعدَ مرورِ عددٍ من الثواني على وضعي المتجمدِ ذاك.. وقبلَ أن تسحبَ والدتي الحبيبةُ يدها كسيرةً حزينةً؛ حسمتُ أمري وهويتُ إلى حيثُ تقفُ، لأجعلَ من كتفي متكأً لها، ومن ذراعي عصا تستندُ عليها، فاتكأتْ - رعاها الله - عليَّ وصعدتْ (دون الحاجة للملامسة)، لتطلّ على القبورِ فتودّعَ أخاها الحبيب رحمهُ اللهُ تعالى وأحسنَ مثواه.

 وهكذا طُوِيَ المشهدُ على تلكَ التلّةٍ، لكنه لم يطوَ داخلي مذ ذلكَ الحين، ولا أدري هلْ أدركتْ والدتي تلكؤي وقرأتْ فيه شيئا من مخاوفي؟ أم لم تنتبه لذلك البتّة؟ لكني أنا من رصدتُ تلك اللحظاتِ الموجعةِ، والتقطتُ لها تسجيلا مفصلا في ذاكرتي، اختزلَ كلَّ ما مرَّ بنا من أحداثٍ في زمن كورونا، حتى أنه استفزَ قلمي، فجَرتْ أحباري تحكي تلكؤي وترددي في ذلكَ الموقفِ، بل حتى تصرفي وتحايلي على لمسِ يدِها.. آلمني وأوجعنَي، فلو كانتْ هي مكاني ومددتُ لها يدي أطلبُ عونَها؛ لما ترددتْ ثانيةً في التقاطِ كفي بكل حنانٍ وترحابٍ، فواحرّ قلباهُ!!، لقد زعزعتنا المخاوفُ وتلاعبتْ بعقولِنا، ثم لازالتْ تزحفُ شيئا فشيئا حتى عبثتْ بعواطفِنا، ففرّقتْ بين الأحبةِ، وصنعتْ بينهم سياجا لا مرئيا من التوجسِ والقلقِ، وسواءٌ أكان ذلك باسمِ الأنانيةِ والخوفِ المبالغِ فيه على النفسِ، أو كان بدافعِ المحبةِ والحرصِ على سلامةِ الآخرين؛ فالصورةُ الخارجية للأسف لا تبدو مختلفةً كثيرا!.

 لطالما أردتُ في هذه النازلةِ التي ألمتْ بنا تدوينَ جملةً من مشاعري في مواقفَ مختلفةٍ، لطالما أردتُ الكتابةَ عن نوباتِ القلقِ التي تقضمُ راحتنا وتعبثُ بطمئنينتِنا كلما تابعنا - عن كثبٍ - مستجداتِ هذا الوباءِ عالميا، لطالما رغبتُ في الكتابةِ عن حالاتِ التقوقعِ الأسريِّ التي اضُطررنا لها.. عن ايجابياتِها وسلبياتِها، عن مشاهدَ رائعةٍ منها، وأخرى ساخرةٍ، وكم هممتُ بالكتابة عن مشاعري الحزينةِ حين أُغلقتْ المساجدُ، وحين حُرمنا من الصلاةِ في المسجدِ النبويِّ لشهرين ونصفِ الشهرِ تقريبا خاصة في شهرِ رمضانَ، أردتُ كذلك أن أُسيلَ مدامعي مداداً أدوّنُ به حزني على رؤيةِ صحنِ الكعبةِ المشرّفةِ وهو خاوٍ من الطائفينَ، بصورةٍ تُدمي الروحَ وتؤلمُها، وتوجعُ القلبَ وتمزقه، فكأنَّ نصلا حادا قد غُرسَ في جسدي، وأنَّى للألمِ أن يتوقف إلا بنزعِه، وعودةِ الزحامِ إلى ذلكَ الصحنِ المباركٍ.

أردتُ الكتابةَ أيضا عن العجزٍ والقهرِ الذي انتابني وأنا أقفُ على بعدِ أمتارٍ من أخي وزوجته وأطفالهما في حجرِهم الصحيّ، أنظرُ إليهم وينظرون إليّ، نبتسمُ بألمٍ، ولا يجرؤُ أحدُنا على الاقترابِ من الآخرِ، حتى الصغارُ تراهم وقد كُبِّلتْ طفولتهم وعفويتهم في احتضان أحبتهم.. فإذا بهم تماثيلَ كئيبةٍ متحجرةٍ، أردتُ بقوةٍ أن أُجري قلمي وأنفسُ عن مشاعري الثكلى الأيامَ التي تلتْ حالةَ الوفاةِ لألقي الضوءَ على رحمةِ الله بنا؛ إذْ شرعَ لنا العزاءَ نواسي به بعضنا البعض، لا أنْ ينزَوٍي أهلُ الميّتِ فُرادى؛ كلٌ يجابِه الأحزانَ ومرارةَ الفقدِ وحدَهُ، دونَ أن يجدَ صدرا ينبضُ بنفسِ أوجاعٍه وألمِه ليضمُه إليه ويهَدْهِدَهُ، فيخففَ عنه مصابَهُ، ويحملَ عنه شيئا من أثقالِ روحٍه، وتلك نعمةٌ لم ندرك أهميتَها حتى اكتوينا بالحرمانِ منها.

 ورغمَ رغبتي في تدوينِ مشاعري في كلِ هذه الأحداثِ؛ فقد اختزلَ موقفُ تلكؤي عن التقاطِ يدِ والدتي الحبيبة كلَّ المشاعرِ وفاقها، حتى ابتلعَ جميعَ تلك الأحداثِ.. حزينها وسعيدها، فكم هو مؤلمٌ أن يحولَ شبحٌ لا مرئيٌّ بينك وبين احتضانِ أحبتِكَ وملامستهم، شبحٌ ذو حجمٍ تافهٍ مقارنةً بحجمِ الدمارِ النفسيِّ والتباعدٍ الإنسانيِّ الذي أحدثَهُ في المجتمعات، فلا أنتَ تراه فتنازله وتحاربه، ولا أنتَ تعلمُ من أيِّ بابٍ يأتيكَ فتتجنبًهُ، فسبحانَ اللهِ العظيم الذي أرادَ أن يؤدّبَ عبادَهُ، ليريهم كيف يختلُّ توازنُ حياتهم، وتنهارُ نُظُمُ معيشتِهم، وتعجزُ قوتُهم وجميعُ إمكانياتِهم، وتحارُ عقولُهم وتفزعُ قلوبُهم من مخلوقٍ صغيرٍ كهذا، لا يكادُ يرى بالعينِ المجردةِ.

 لقد أزالَ هذا الفايروس عن أعينِنا غشاوةً تلو غشاوةٍ، وأزاحً حجابا إثرً حجابٍ، فإذا بنا نُبصرُ نعمَ الله المحلّقةِ بنا، والتي - وإن ابتلينا بفقدِ بعضِها - فقد بقي لنا منها مدَّ البحار نعما؛ لا يُعدُّ قَطْرُها ولا يُحصى، وقد زانَها وتوَّجَها: لطفَ اللهِ الذي داوانا بشهرٍ رمضانَ المباركٍ في هذا التوقيتِ العصيبِ بالذات، فطابتْ فيه أرواحٌ وأرواحٌ، وتخففتْ فيه القلوبُ مما لحقها من حزنٍ وشتاتٍ، وقلقٍ وانكساراتٍ، فلله الحمدُ والمنّةُ.

 جعلنا اللهُ وإياكم من الشاكرينَ الذاكرينَ القانتينً، وغفرَ لنا ولوالدِينا وأزواجِنا وذرياتِنا وأحبتٍنا وجميعِ المسلمين، وعافانا وإياهم من كلِّ سوءٍ ومكروهٍ.

السبت، 25 يناير 2020

خاطرة عن الرجاء والخوف من الله...

كل
ما غلب الرجاء فيك على الخوف من الله وداخلتك ثقة عمياء في أنك داخل في رحمة الله وأنك من أهل جنته؛ فتذكر الحديث القدسي:
"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه".

فقل لي بربك أي عمل ذاك الذي لم يداخله ولو ذرة من شرك؟!

تفكر / تفكري رحمك الله في عبادتك..

أي عمل تغلبت فيه على كل مشتتات الاخلاص، حتى اجتمع عليك قلبك مخلصا لله وحده؟

عدد/ عددي أعمالك التي توافق هذه الشروط.. فإن رأيتها معدودة فأمسك بتلابيب الخوف، فإنما نحن مقصرون في كل العبادات والله، فلنوازن بين الرجاء والخوف على الأقل حتى نسلم بإذن الله.

وإني والله لأزعم أن هذا الحديث مقلق لمضاجع المتقين، وشاغل لألباب القانتين، وحين بحثت عن تعليقات بعضهم عليه وجدت الإمام أحمد رحمه الله يقول: " أمر النية شديد "، ويقول سفيان الثوري: " ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي"، وقال أحد الصالحين: " أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي".

هذا قول الصالحين.. فما بالي وبالك نرجح الرجاء على الخوف على رداءة وضئالة ما نقدم؟؟!!.
فاللهم ارحم ضعفنا.

الجميل أنني قرأت تتمة لما سبق من أقوال الصالحين؛ قول العلماء:
(ومع ذلك فالإخلاص لله ليس بالأمر المستحيل، إذ من المحال أن يكلفنا الله ما لا نطيق، فمن الأمور التي تعين العبد على علاج الرياء الاستعانة بالله والتعوذ الدائم به، وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فقال : ( يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل ، فقال له من شاء الله أن يقول : وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله : قال : قولوا : اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه ) رواه أحمد .

فاللهم أعنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وجميع أحبتنا على الإخلاص وارزقنا واياهم عملا زاكيا ترضى به عنا فلا تسخط بعده أبدا.

وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حفصة اسكندراني

الجمعة، 10 يناير 2020

أتساءلُ: هل يدركُ قلمي الزمانَ والمكانَ؟ (خاطرة)

أتساءلُ: تُرى هل يدركُ مدادُ قلمي الزمانَ والمكانَ حولي فيغدقُ عليَّ بسخاءٍ حينَ أكونُ حيثُ أحبُّ وأنتمي؛ بين أهلي وأحبتي، ويمسكُ عني في غيرِ ما مكانٍ وغيرِ ما زمانٍ؟!..

أم هو محضُ تصادفٌ؟؟!




في داخلي جُملٌ مبتورةٌ.. (خاطرة)

في داخلي جملٌ مبتورةٌ..
بَتَرْتُ أطرَافَها بمحضِ إرادتي، وتركتُها مشوّهةً حزينةً سجينةً، يستندُ بعضُها على بعضٍ، ويشكو بعضُها همَّهُ لبعضٍ.
تترقبُ جُمَلي أن أنظرَ إليها بعينِ العطفِ، فأصلحَ فيها ما أفسدتُ، لكي أُعتقَها وأطلقَها إلى مسامعِ الناسِ الواحدَة تلوَ الأخرى في أبهى حُلّةٍ وأجملِ صورةٍ.
ولأني - وعلى غير عادتي - متعكرةَ المزاجِ؛ أميلُ إلى الصمتِ وأجتنبُ الكلامَ؛ فإنَّ جُلَّ ما أتقنَه هو أن أرسلَ إليهم كل يومٍ بالمزيدِ من الجُمَلِ المشوّهةِ بالعاهاتِ والكدمات والعللِ.




الخميس، 9 يناير 2020

حِينَ يُقالُ: اقْرَأ وَارْق.. خَواطِرُ وتَأَمُّلاتٍ


 حِينَ يُقالُ: اقْرَأ وَارْق.. خَواطِرُ وتَأَمُّلاتٍ

أصعبُ لحظاتِ الحياةِ هي لحظةُ الاختبارِ، حيثُ يتوقفُ الزمنُ، وتبهتُ الألوانُ، وتتباطؤ حركةُ دورانِ الأفلاكِ، حينها تخبو كلُّ الأصواتِ حولنا حتى تتلاشى، وبالمقابلِ ترتفعُ أصواتُ النفسِ.. فيسمعُ الواحد منّا صراعاتِ عقله مع عواطفِه ومشاعرِه مجلجلةً في الأرجاءِ، ويسمعُ في لحظاتِ الصمتِ الذي يتخللُ تلك النقاشاتِ صوتَ ضخاتِ قلبه كطبولِ حربٍ تعلنُ حالة الاستنفار، بينما أنفاسه المضطربةُ تزمجرُ ريحاً في الأنحاءِ، باختصار: إنهُ الاختبارُ!!، وسواءً كان هذا الاختبارُ تحصيلا دراسيا أو مهاريا، أو كان نازلةً من نوازلِ الدهرِ، أو درسا حاسما من دروسِ مدرسةِ الحياةِ؛ يبقى الاختبارُ بجميعِ أشكالهِ من أثقلِ الأمورِ على النفسِ، وأكثرها إثارةً للقلقِ والمخاوفِ في أعماقِ قلوبنا.

وحينما أبحرُ داخلي وأتسللُ في أعماقِ مخاوفي أجدُني أهابُ لحظةَ اختبارٍ آخرَ لم يجربه أحدٌ بعد، ذلك الاختبارُ الذي يقضُّ مضاجعَ كلِ حافظٍ لكتابِ اللهِ وكل مَنِ اشتغلَ بمشروع حفظ القرآن الكريم، وتبدأ فصول ذلك الاختبارُ حينَ (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ ، كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا ) روى الترمذي (2914) وأبو داود (1464)
نعم يقلقني هذا الحديثُ، ويشغَلني التفكيرُ فيه، ترى هل ستسعفُني ذاكرتي في موقفٍ مهيبٍ كهذا لكي أقرأَ ما حفظتُ؟، ترى هل ستقوى فرائصي على الثباتِ وأنا أعلمُ أنني إنما أنتقي مكاني من منازلِ الآخرةِ بشكل حسميٍ ونهائيٍ؟، أتراه سينطلقُ لساني في موقفٍ تشهده الملائكةُ وأنا أراها عيانا حولي مدَّ البصر؟، يالهُ من اختبارٍ صعبٍ!! وصعوبته تكمنُ في ذاتهِ و في توقيتهِ، فقد جاءَ بعد أهوالٍ حالكاتٍ وجملة اختباراتٍ؛ فبعدَ النجاةِ من عرصاتِ القيامة بأهوالها، وعبورِ الصراطِ فوقَ نارٍ مستعرةٍ متأججة، وبعد النجاةِ من الجحيمِ وكلاليبها وشررها المتطايرِ، يأتي هذا الموقف المصيري ليحددَ جودةَ حفظِ الواحد منا لكتابِ اللهِ، وليحددَ منزلتَه من الجنةِ.. فهل ياترى سيفتحُ عليّ حينها؟ وهل سأستجمعُ نفسي بسهولةٍ؟! تلك النفسُ التي تفزعُ من صرخةِ استغاثةٍ، وترتعبُ من صوتِ رعدٍ، وترتاعُ من خيالِ حشرةٍ، وتبكي من هولِ حادثٍ مروريٍ ليسَ فيه وفياتٌ أو إصاباتٌ!! .. ترى هل سأستجمعُ نفسي بعد المرورِ بتلك الأهوالِ لأسردَ حفظي؟!

كان هذا الخاطرُ يجولُ ببالي فيقلقني، فلا أملكُ سوى أن أدعو اللهَ أن يتغمدني بواسعِ رحمته، فيرحمني في جميعِ تفاصيلِ رحلتي بعدَ الموتِ، سواءٌ في تلك التفاصيلِ التي أعرفها وأجهلُ كنههَا، أم تلك التفاصيلُ التي أجهلُها ولا أعرفُ كيفَ يكونُ حالي فيها، والتأملُ والتفكرُ في رحلتِنا بعد الموتِ إلى أن تحطُ رحالنا في دار القرار أمرٌ مقلقٌ ومخيفٌ، لكن شاءَ اللهُ تبارك وتعالى أن أتأملَ حديثا كنتُ قد سمعتُه كثيرا من قبل، لكنه وقعَ مني اليومَ موقعَ التأمل والتفكرِ، فغيّر بفضل الله جميع حساباتي..
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"يَجيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ فيَقولُ: يا ربِّ حلِّهِ، فَيلبسُ تاجَ الكَرامةِ، ثمَّ يقولُ: يا رَبِّ زِدهُ، فيلبسُ حلَّةَ الكرامةِ، ثمَّ يقولُ: يا ربِّ ارضَ عنهُ، فيقالُ لَهُ: اقرأْ وارْقَ، وتزادُ بِكُلِّ آيةٍ حسنةً"
من صحيح الترمذي
لأول وهلةٍ وقفتُ ملجمة أمام ترتيبِ الأحداثِ في هذا الحديثِ، وحين استوعبتُها شعرتُ بسعادةٍ بالغةٍ تكادُ تحلّقُ بي، فكأنما سُقيتُ الماءَ الزلالَ من بعدِ ظمإٍ، وإذ بسمائي تبتهجُ آذنةً بهطولِ غيثٍ مدرارٍ على أرضٍ أحزنها طولُ الجدبِ.
فذلك الموقفُ الذي يقلقني لن يكونَ موقفَ اختبارٍ كما تبادرَ إلى ذهني، بل هو موقفُ تشريفٍ وزيادةٍ، ولن تكونَ النفوسُ فيه وجلةً قلقةً حزينةً، بل هي فرحةٌ سعيدةٌ مستبشرةٌ، تختالُ في حلةِ الكرامةِ التي كُسيتْ بها، وتتمايلُ بتاجِ الكرامةُ الذي زينَ رأسَها، والأجملُ من ذلك كلِّه أنها قد حظيتْ برضوانِ اللهِ، فما ظنكم بنفسٍ قد رضيَ اللهُ عنها.. هل تخطيءُ وتتلعثمُ حين يقال: اقرأ وارق؟! هل تقلقُ وتتوجسُ؟ هل تخافُ وترتعبُ؟ هل يداخلها حزنٌ أو ندمٌ أو حسرةٌ؟؟!، والله لو سبقَ رضى الرحمنِ عنا هذا الاختبارُ لكان توفيقَ اللهِ حتما حليفُنا.

ولو تأملنا حديثَ الغمامتانِ.. الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : (اقرؤوا القرآنَ؛ فإنه يأتي شافعًا لأصحابه، اقرؤوا الزَّهراوَين: البقرةَ وآل عِمرانَ، فإنهما يأتيان يومَ القيامة كأنَّهما غمامتانِ أو غيايتانِ أو فِرقانِ مِن طيرٍ صَوافَّ تُحاجَّانِ صاحِبَهما...) رواه مسلم
لو تأملنا هذا الحديثَ لأدركنا أن الأمنَ سيصطحبُ حافظَ القرآنِ منذ أولِ وهلةٍ له في ذلك اليومِ العصيبِ، بل من لحظةِ انشقاقِ الأرضِ عنه بعدَ البعثِ إلى يومِ الدينِ.. فعن بريدة رضي الله عنه قال: سمعتُ النبي- صلى الله عليه وسلم - يقول: (إِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ . فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : مَا أَعْرِفُكَ . فَيَقُولُ لَهُ : أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا . فَيَقُولَانِ : بِمَ كُسِينَا هَذِهِ ؟ فَيُقَالُ : بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا) رواه أحمد في "المسند" (394) والألباني في "السلسلة الصحيحة" (2829)

فما أعظمَ الأخذَ بالقرآنِ!، وما أشدَ حسرةَ تاركه والمفرط فيه!، فالأخذ بالقرآنِ من أربحِ الصفقاتِ، وأعظمِ التجاراتِ، فنعمَ الاستثمارُ استثمارٌ مربحٌ تستثمرُه في نفسِك وفي أهلكَ وولدِكَ، ونعمَ البرُّ والوفاءُ أن تسعى لتكريم والديْكَ في محفلٍ مهيبٍ يشهدُه الأولونَ والآخرون.
مع القرآنِ أنتَ الرابحُ الذي يغبطك الكون، يشقى الناسُ ويستوحشون بينما القرآنُ أنيسُكَ وسلواكَ، فمع القرآنِ أنتَ المطمئنُ الواثقُ من رحمةِ اللهِ حتى في النوازلِ والمصائبِ، مع القرآنِ تأتيكَ البركاتُ وتحتشدُ في سماءِك البشرياتُ، وتزهرُ تحتَ قدمِكَ كلَ أرضٍ تطؤها.. فأيُّ شرفٍ أعظمُ من هذا؟!


اللهم اجعلنا نحنُ ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وإخواننا وجميعَ أحبتنا من أهلك وخاصتك، اللهم اجعلنا من حفظةِ كتابك العالمين العاملين به، اللهم علمنا منه ما نسينا وفقهنا فيه وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم و ألبِسنا به الحلل وأسكنا به الظلل، وأسبغْ علينا به النعم، وادفع به عنا النقم، وارفعنا به لأعلى منازلِ الجنةِ برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بقلمي/ حفصة اسكندراني
https://vb.tafsir.net/tafsir58581/#post293478

الخميس، 20 يونيو 2019

المشاهد الناقصة.. هل تكتمل؟


في مشوار حياتنا كم نحيا ونحن نترقب اكتمال الأحداث الناقصة حولنا، نعيش على أمل معاينة المشاهد الناقصة والنهايات المرضية لكثير من الحكايا والأحداث التي نعايشها ونحتك بها بشكل مباشر وغير مباشر.
قد نشهد نهاياتها التي نرجو، وقد يطول بنا الانتظار، وقد تنتهي منّا الأجال قبل اكتمال تلك المشاهد والأحداث!.
ونظل نستحث تلك القصص الناقصة كي تكتمل بحماس نبدي بعضه ونخفي بعضه لتشفي غليلنا وتروي ظمأنا.
فهنا ابن عاق قد طغى في العقوق وتمادى في غفلته وقسوته وادباره عن والديه ولمّا يصفعه الزمن بأبناء عاقين بعد!
وهناك أرملة كافحت وجاهدت حتى صنعت رجالا ناجحين يفخر بهم المجتمع ولمّا يحملوها على أكف الراحة بعد!
وهذا زوج قاس كبركان ثائر، يزأر ويزمجر ويبطش ويهدد، وأمامه زوجة حليمة حنونة صابرة لمّا يعرف قيمتها بعد!
وذاك ظالم متكبر متجبر.. بغى وطغى واستفحل في طغيانه وقهره للمستضعفين واذلالهم ولمّا ينتقم القهار المنتقم منه بعد!
نعم نضع سناريوهات في خيالنا لنهايات تلك القصص لكن الخيال لا يروي ظمأنا لرؤية المشاهد والأحداث الناقصة على أرض الواقع.
وأمام هذه الرغبة الملحة داخلنا نشعر بحيرة حقيقية.. ترى هل نرجو من الله أن تطول حياتنا لنشهد ما نتتوق لمشاهدته من أحداث ناقصة في أكثر القصص إثارة في حياتنا؟!
أم علينا ألا نشغل أنفسنا ونرهق عواطفنا في انتظار مثل هذه الأحداث الثانوية؟ فلكل قصة نهاية عادلة يقدرها الله على أصحابها، لا يلزم أن نعاينها، بل يكفي أن نستيقن بالجزاء الالهي العادل لكل فعل بشري فيها، سواء أكان خيرا أم شرا، وسواء أكان هذا الجزاء معجلا في الدنيا أو مؤخرا في الآخرة، فالدنيا دار عمل وليست دار جزاء، ولنلتفت لمراقبة أنفسنا لكي نملي أحداث قصصنا نحن، ونهاياتنا نحن.. فهذه القصص هي القصص الوحيدة التي تهمنا، وهي القصص الوحيدة التي بيدنا تغيير مسار أحداثها واختيار نهاياتها السعيدة بأنفسنا وفق سبل النجاة التي حددها لنا خالقنا سبحانه وتعالى.

بقلمي حفصة اسكندراني
١٦ شوال ١٤٤٠ه

الجمعة، 15 مارس 2019

هل تحفظ القرآن؟.. سؤال ما أثقله!


بين فينة وأخرى يباغتك أحدهم بسؤال بسيط في مفرداته، صعب في سبر أغواره، يباغتك به سائلك وهو محسن الظن بك، وتراه يستحثك لتجيب بالإثبات لا بالنفي، لكنك ومع المفاجأة تظل في مربع السؤال لا تقوى قدمك أن تخطو بك نحو الإجابة بحال.

(هل تحفظ القرآن؟)

سؤال ما أثقله! وما أنكده على مسمعك! سؤال تحيرك الإجابة عليه في كل مرة، خاصة إن كنتَ مثلي من المقصرين، فثمة معان مختلفة ومقاييس متباينة يمكن أن يقاس بها السؤال، وبناء عليها سيُبنى الجواب.

فهل المقصود بالسؤال: هل تحفظ القرآن كله؟ أم هل حفظت القرآن يوما؟ فالأخير يسأل عن الماضي، والأول يفتش عن الحاضر.
وهل يا ترى المقصود بالسؤال: هل تحفظ القرآن وتستحضره باتقان لتجيب ب (لا)؟ أم يمكنك أن تجيب ب (نعم) رغم أنك بالكاد تحفظه وتستحضره؟ وهل يمكن أن تجيب ب (نعم) لكونك من أهل القران المنشغلين بحفظه وإن خالط ذلك تقصير وتكاسل؟

إجابتك ب (نعم) إجابة مشكلة، وإجابتك ب (لا) إجابة مجحفة!، وأنت بين هذا وذاك يلجمك الصمت، وتعصف بك الحيرة، ولو أن المقام يحتمل أن تجيب السائل بصدق وانصاف فستجد نفسك تُسهب له في الجواب لتقول: لقد أتيت على الجرح يا سائلي؛ فسؤالك عميق عمق غياهب النفس، فضفاض يصعب معه أن تُحدد ملامح جسد الحقيقة المتوارية خلفه.

نعم.. لقد مررتُ على آيات القرآن كلها حفظا، ثم إني لم أجمعه!، فكلما أنهيتُ منه بضعة أجزاء وشرعتُ فيما بعدها؛ تكابلتْ علي انشغالات الحياة وتخاطفتني، فلا أنتهي من بضعة أجزاء أخرى إلا وقد أُنسيتُ الأولى أو أكاد، ثم إن بين جنبيّ - يا صاحبي - نفسا ملولة كسولة؛ سرعان ما تستسلم أمام العقبات، وتملّ تعاهد الحفظ بعد التفلّت والنسيان، وسرعان ما تراها تنغمس في ملذات الحياة؛ تلهو مع اللاهين، وتنشغل مع المنشغلين، لكنها - وفي أثناء لهوها وانشغالها بالحياة - يعكر بهجتها ويخالط نشوتها شعور بالحزن والانكسار على حالها وتقصيرها مع كتاب الله؛ فلا هي عُدّتْ من اللاغين المشغلين بأهوائهم تمام الانشغال، ولا هي اصطفت بجوار المحسنين المنشغلين بحفظ ومراجعة كتاب الله بحزم واتقان، فلله المشتكى وهو وحده المستعان.

يا سائلي.. نحن الواقفون في منتصف الطريق بين ال (نعم) وال (لا)، نحن المسيئون إلى أنفسنا وقد تذبذبت بنا الطرق بين هؤلاء وهؤلاء، نحن الظالمون لأنفسنا المفوتون للخير، نحفظ وننسى، ونعاود الحفظ ثم ننشغل ونفتر، ثم ننسى، ونظل هكذا بين اقبال وإدبار، وهمة وتقصير، ورغم ما أفصحتُ لك من سوء حالنا مع كتاب الله؛ فقد أحسن الله لنا أيما إحسان، فأمطرنا بفضله من البركات التي يمطر بها أهل كتابه، وسترنا بجميل ستره، وجعلنا ممن يشار اليهم بالبنان فيقال: هذا من أهل القرآن!.

فهل أدركت الآن - أيها الفاضل - كم كان سؤالك محزنا ثقيلا على نفسي؟!.

فاللهم كما أنعمتَ علينا بجميل سترك؛ أتمم علينا باتقان حفظ كتابك، واجعلنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وجميع أحبتنا من العالمين العاملين بكتابك، واعف عنا ما كان منا من تقصير ونسيان، واجعلنا من أهل كتابك الذين هم أهلك وخاصتك، وأحسن خاتمتنا، واحشرنا برحمتك مع عبادك المحسنين.


انتهى



وردني بعد نشري لهذا المقال سؤال عبر الواتس عن:

❣ما الحل إذن مع حالات الغفلة والنسيان وعدم اتقان مراجعة القرآن؟
(وإتماما للفائدة أردت نشر السؤال مع الرد)

لمثل هؤلاء أهديهم خلاصة الحل الذي ارتضيته لنفسي بعد طول تأمل ونظر، وبعد طول مجاهدة قد داخلها في بعض الأحيان حزن ويأس، بعدها توصلت إلى قناعة ما، وخلاصة ذلك هو أنني:

قررتُ أن أحفظ وإن نسيتُ، وأكرر وإن يأستُ، وأجاهد مهما كسلتُ، وأواظب مهما شُغلتُ، حتى ألقى الله ومصحفي بيدي، وظني بالله أن يرفعني بذلك إلى مراتب الحفاظ والمتقنين في الجنة، وليس ذلك على الله ببعيد، فهو الكريم الذي برحمته جعل قاتل التسعة والتسعين نفسا مع أهل الغفران رغم أنه أدركه الموت قبل أن يصل إلى أرض الصالحين التي سيعبد الله فيها!

هذا صنع الله بأهل المعاصي إن هم أرادوا التوبة وناشدوا الغفران، فكيف يكون صنيعه بأهل القرآن المشفقين من تقصيرهم مع كتاب الله؟؟!!!

نسأل الله لنا ولكم ولجميع أحبتنا العفو والعافية وحسن الظن بالله والمراتب العلا من الجنة.

آمين.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

بنت اسكندراني