الخميس، 20 يونيو 2019

المشاهد الناقصة.. هل تكتمل؟


في مشوار حياتنا كم نحيا ونحن نترقب اكتمال الأحداث الناقصة حولنا، نعيش على أمل معاينة المشاهد الناقصة والنهايات المرضية لكثير من الحكايا والأحداث التي نعايشها ونحتك بها بشكل مباشر وغير مباشر.
قد نشهد نهاياتها التي نرجو، وقد يطول بنا الانتظار، وقد تنتهي منّا الأجال قبل اكتمال تلك المشاهد والأحداث!.
ونظل نستحث تلك القصص الناقصة كي تكتمل بحماس نبدي بعضه ونخفي بعضه لتشفي غليلنا وتروي ظمأنا.
فهنا ابن عاق قد طغى في العقوق وتمادى في غفلته وقسوته وادباره عن والديه ولمّا يصفعه الزمن بأبناء عاقين بعد!
وهناك أرملة كافحت وجاهدت حتى صنعت رجالا ناجحين يفخر بهم المجتمع ولمّا يحملوها على أكف الراحة بعد!
وهذا زوج قاس كبركان ثائر، يزأر ويزمجر ويبطش ويهدد، وأمامه زوجة حليمة حنونة صابرة لمّا يعرف قيمتها بعد!
وذاك ظالم متكبر متجبر.. بغى وطغى واستفحل في طغيانه وقهره للمستضعفين واذلالهم ولمّا ينتقم القهار المنتقم منه بعد!
نعم نضع سناريوهات في خيالنا لنهايات تلك القصص لكن الخيال لا يروي ظمأنا لرؤية المشاهد والأحداث الناقصة على أرض الواقع.
وأمام هذه الرغبة الملحة داخلنا نشعر بحيرة حقيقية.. ترى هل نرجو من الله أن تطول حياتنا لنشهد ما نتتوق لمشاهدته من أحداث ناقصة في أكثر القصص إثارة في حياتنا؟!
أم علينا ألا نشغل أنفسنا ونرهق عواطفنا في انتظار مثل هذه الأحداث الثانوية؟ فلكل قصة نهاية عادلة يقدرها الله على أصحابها، لا يلزم أن نعاينها، بل يكفي أن نستيقن بالجزاء الالهي العادل لكل فعل بشري فيها، سواء أكان خيرا أم شرا، وسواء أكان هذا الجزاء معجلا في الدنيا أو مؤخرا في الآخرة، فالدنيا دار عمل وليست دار جزاء، ولنلتفت لمراقبة أنفسنا لكي نملي أحداث قصصنا نحن، ونهاياتنا نحن.. فهذه القصص هي القصص الوحيدة التي تهمنا، وهي القصص الوحيدة التي بيدنا تغيير مسار أحداثها واختيار نهاياتها السعيدة بأنفسنا وفق سبل النجاة التي حددها لنا خالقنا سبحانه وتعالى.

بقلمي حفصة اسكندراني
١٦ شوال ١٤٤٠ه

الجمعة، 15 مارس 2019

هل تحفظ القرآن؟.. سؤال ما أثقله!


بين فينة وأخرى يباغتك أحدهم بسؤال بسيط في مفرداته، صعب في سبر أغواره، يباغتك به سائلك وهو محسن الظن بك، وتراه يستحثك لتجيب بالإثبات لا بالنفي، لكنك ومع المفاجأة تظل في مربع السؤال لا تقوى قدمك أن تخطو بك نحو الإجابة بحال.

(هل تحفظ القرآن؟)

سؤال ما أثقله! وما أنكده على مسمعك! سؤال تحيرك الإجابة عليه في كل مرة، خاصة إن كنتَ مثلي من المقصرين، فثمة معان مختلفة ومقاييس متباينة يمكن أن يقاس بها السؤال، وبناء عليها سيُبنى الجواب.

فهل المقصود بالسؤال: هل تحفظ القرآن كله؟ أم هل حفظت القرآن يوما؟ فالأخير يسأل عن الماضي، والأول يفتش عن الحاضر.
وهل يا ترى المقصود بالسؤال: هل تحفظ القرآن وتستحضره باتقان لتجيب ب (لا)؟ أم يمكنك أن تجيب ب (نعم) رغم أنك بالكاد تحفظه وتستحضره؟ وهل يمكن أن تجيب ب (نعم) لكونك من أهل القران المنشغلين بحفظه وإن خالط ذلك تقصير وتكاسل؟

إجابتك ب (نعم) إجابة مشكلة، وإجابتك ب (لا) إجابة مجحفة!، وأنت بين هذا وذاك يلجمك الصمت، وتعصف بك الحيرة، ولو أن المقام يحتمل أن تجيب السائل بصدق وانصاف فستجد نفسك تُسهب له في الجواب لتقول: لقد أتيت على الجرح يا سائلي؛ فسؤالك عميق عمق غياهب النفس، فضفاض يصعب معه أن تُحدد ملامح جسد الحقيقة المتوارية خلفه.

نعم.. لقد مررتُ على آيات القرآن كلها حفظا، ثم إني لم أجمعه!، فكلما أنهيتُ منه بضعة أجزاء وشرعتُ فيما بعدها؛ تكابلتْ علي انشغالات الحياة وتخاطفتني، فلا أنتهي من بضعة أجزاء أخرى إلا وقد أُنسيتُ الأولى أو أكاد، ثم إن بين جنبيّ - يا صاحبي - نفسا ملولة كسولة؛ سرعان ما تستسلم أمام العقبات، وتملّ تعاهد الحفظ بعد التفلّت والنسيان، وسرعان ما تراها تنغمس في ملذات الحياة؛ تلهو مع اللاهين، وتنشغل مع المنشغلين، لكنها - وفي أثناء لهوها وانشغالها بالحياة - يعكر بهجتها ويخالط نشوتها شعور بالحزن والانكسار على حالها وتقصيرها مع كتاب الله؛ فلا هي عُدّتْ من اللاغين المشغلين بأهوائهم تمام الانشغال، ولا هي اصطفت بجوار المحسنين المنشغلين بحفظ ومراجعة كتاب الله بحزم واتقان، فلله المشتكى وهو وحده المستعان.

يا سائلي.. نحن الواقفون في منتصف الطريق بين ال (نعم) وال (لا)، نحن المسيئون إلى أنفسنا وقد تذبذبت بنا الطرق بين هؤلاء وهؤلاء، نحن الظالمون لأنفسنا المفوتون للخير، نحفظ وننسى، ونعاود الحفظ ثم ننشغل ونفتر، ثم ننسى، ونظل هكذا بين اقبال وإدبار، وهمة وتقصير، ورغم ما أفصحتُ لك من سوء حالنا مع كتاب الله؛ فقد أحسن الله لنا أيما إحسان، فأمطرنا بفضله من البركات التي يمطر بها أهل كتابه، وسترنا بجميل ستره، وجعلنا ممن يشار اليهم بالبنان فيقال: هذا من أهل القرآن!.

فهل أدركت الآن - أيها الفاضل - كم كان سؤالك محزنا ثقيلا على نفسي؟!.

فاللهم كما أنعمتَ علينا بجميل سترك؛ أتمم علينا باتقان حفظ كتابك، واجعلنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وجميع أحبتنا من العالمين العاملين بكتابك، واعف عنا ما كان منا من تقصير ونسيان، واجعلنا من أهل كتابك الذين هم أهلك وخاصتك، وأحسن خاتمتنا، واحشرنا برحمتك مع عبادك المحسنين.


انتهى



وردني بعد نشري لهذا المقال سؤال عبر الواتس عن:

❣ما الحل إذن مع حالات الغفلة والنسيان وعدم اتقان مراجعة القرآن؟
(وإتماما للفائدة أردت نشر السؤال مع الرد)

لمثل هؤلاء أهديهم خلاصة الحل الذي ارتضيته لنفسي بعد طول تأمل ونظر، وبعد طول مجاهدة قد داخلها في بعض الأحيان حزن ويأس، بعدها توصلت إلى قناعة ما، وخلاصة ذلك هو أنني:

قررتُ أن أحفظ وإن نسيتُ، وأكرر وإن يأستُ، وأجاهد مهما كسلتُ، وأواظب مهما شُغلتُ، حتى ألقى الله ومصحفي بيدي، وظني بالله أن يرفعني بذلك إلى مراتب الحفاظ والمتقنين في الجنة، وليس ذلك على الله ببعيد، فهو الكريم الذي برحمته جعل قاتل التسعة والتسعين نفسا مع أهل الغفران رغم أنه أدركه الموت قبل أن يصل إلى أرض الصالحين التي سيعبد الله فيها!

هذا صنع الله بأهل المعاصي إن هم أرادوا التوبة وناشدوا الغفران، فكيف يكون صنيعه بأهل القرآن المشفقين من تقصيرهم مع كتاب الله؟؟!!!

نسأل الله لنا ولكم ولجميع أحبتنا العفو والعافية وحسن الظن بالله والمراتب العلا من الجنة.

آمين.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

بنت اسكندراني



الثلاثاء، 10 أبريل 2018

حِينَ يَذْبُلُ النِعْنَاعُ.. أَذْبُلُ!

طوالَ حياتي لم أكن أسيرةً لمشروبٍ من المشروباتِ التي تأسرُ الناسَ وتسيطرُ على تفكيرِهم وتتحكمُ في أمزجَتِهم عادةً، فأنا لا أحبُ القهوةَ على أنواعها واختلافِ مسمّيَاتِها.. لكني قد أشربُ القهوةَ العربيةَ اضطرارا، ولا أكثرُ. وكذلكَ لا أحبُ الشاي بجميعِ أنواعهِ وتعددِ نكَهاتِهِ.. لكني قد أشربُ الشايَ الأخضرَ اضطرارا، ولا أكثرُ. ولستُ أدمنُ شربَ شيءٍ من الأعشابٍ، حتى النعناعُ الذي أكتبُ عنه الآن لستُ من عشاقِهِ ولا من مدمِنيهِ، غير أني اكتشفتُ مؤخرًا أنني أذبلُ حين يذبلُ النعناعُ!.

في العامينِ الأخيرينِ استجدَ عليّ حبٌ واهتمامٌ عجيبين بالنعناع، فحينَ يأتيَني أقطّعُ جذورَه وأهذِّبها، وأرتّبُ سيقانَه وأنظِّمُها، ثم ألُفّه في مناديلَ ورقيّةٍ داخلَ كيسٍ بلاستيكي، لأضعه بعدها في الثلاجةِ، ثم لا أكتفي بذلكَ، فبينَ الفينةِ والأخرى أفتحُ الكيسَ لأسمحَ بدخولِ الهواءِ إليه تارةً، وتارة أحكمُ إغلاقَ الكيسَ حتى لا يتسللُ الجفافُ إلى أوراقِهِ، فإذا ما ذبلَ ذبُلتُ وحزنتُ وضاقتْ عليّ نفسي وانزويتُ. أنا لستُ أذبلُ حزنًا عليه، ولا تعلقًا به لذاتِهِ، لكنَّه بالنسبةِ لي صارَ رمزًا وأيقونةً لأمرٍ آخرٍ لا علاقةَ له بالنعناعِ كمشروبٍ أو مأكولٍ البتةَ!

لقد اختزلَ النعناعُ في مقاييسي معاني الغربةِ عن الأوطانِ وعن الأهلِ والأصحابِ، ولم أكن أعي ذلك أولَ الأمرِ، لكني مع الوقتِ اكتشفتُ السرَّ وراء اهتمامي المستجدِ بالنعناعِ وحزني عليه.

لقد اعتدنا حين نفارقُ بنيانَ مدينتنا الحبيبةَ (المدينةُ المنورةُ) أن نشتريَ حِزَمَا من النعناعِ الطازجِ الآتي من مزارعِها، ثم ننطلقُ بعدها نحو مدينةِ الطائفِ، تاركين خلفنا أرضًا فيها وُلدنا، وعلى أرضها ترعرعنا، وفيها ودّعنا الوالدينِ والإخوةَ، والصحبَ والأحبةَ، والمسجدَ النبوي الشريفَ جنتنا وبَهجتُنا، وأُحُدَ.. الجبل الذي نحبّهُ ويحبُّنا..  نتركُ كلَّ ذلك خلفنا لنتوجَّهُ إلى الطائف حيثُ استقرتْ مراكبنا، وهناكَ لا نلبثُ طويلًا حتى يغلِبَنا الشوقُ إلى المدينةِ ومَنْ فيها، فيشُدَنا إليها شدّا.. فنزورها يومين أو أكثرَ  في إجازاتِ نهاية الأسبوعِ. 
وهكذا نحيا طوالَ العامِ الدراسيِّ ما بينَ مغالبةٍ للأشواقِ واستسلامٍ لها، حتى تنتهي الدراسةُ والارتباطاتُ فنهرعُ نحو المدينةِ لنستروحَ بها. ومن هنا كانتْ قصتي مع النعناعِ!, فلقد صرتُ - لا إراديا -  أتتبع أحوال النعناعَ المدينيَّ في ثلاجتي وأرمُقُهُ، ومن وقت لآخر أتفحّصه وأرقُبُه، ففيه أبصرُتْ عمقَ غربتي ووحشتي، ومن ذبولِ أوراقِه قدّرت زمنَ غيابي عن أهلي وأحبتي. 

في بعضِ الأحيانِ أشعرُ بسعادةٍ بالغةٍ حينَ أنظرُ إلى النعناع وقد قررنا السفرَ إلى المدينةِ وأوراقُهُ العطرةُ لم تزلْ خضراءَ نديةً، لكنه في أغلب الأحيانِ يكونُ مصدرَ حزنٍ مركّبٍ لي، وذلك حينَ يذبلُ فنشتريَ غيرَه ثم يفسدُ فنشتريَ غيرَه.. وأعينَنا لـمَّا تكتحل بعدُ برؤيةِ طيبةَ الطيّبةَ (لا حرمنا الله منها، ولا حرم منها أيّ مشتاقٍ إليها) .

وهكذا.. كلُّ نعناعٍ نشتريه من تربةٍ غيرِ تربةِ طيبةَ أُعدُّه خيانةً وطنيةً، ولا أشعرُ حيالَهُ بأيةِ مشاعرٍ، وحدَهُ نعناعُ المدينةِ الذي يفعلُ بي الأفاعيلَ،🙂 فبيني وبينه أحاسيسَ مشتركة، فكلانا قُطِفَ مرغما ثم أُبعِدَ عن أرضِهِ وتربتِهِ، فبعيدا عن مراتعِ صبايَ لا أرى شمسًا تشرقُ في سمائي لتدفئ روحي، ولا أرضًا أطئها بأمانٍ فتدعمَ ثباتي وشموخي، ولا شربة ماءٍ محملةً بالحياةِ تُضَخُ في عروقي، وكذلكَ هو.. ففي قلب ثلاجتي لا شمسَ هناك لتدفِّئَ أوراقَه وغصونَه، ولا تربةً حانيةً تحتضنُ أصلَه وجذورَه، ولا ماء نقيا يشربه فيسري بالحياةِ في عروقِهِ!

هذا النعناعُ.. وهذِهِ أنا.. 😊 وها قد سطَّرنا علاقةً من أعجبِ ما قد ترى وما قد تسمعُ، فياربِّ لا تبتلي بالغربةِ قلباً محباً يبريهِ الحبُّ برياً، اللهم وآنسْ وحدةَ كلَّ كسيرٍ مبعدٍ عن أهله محرومٍ من وطنِهِ، واكتبْ لنا يا ربّ في هذهِ البقاعِ الطاهراتِ عيشاً طيباً مباركاً فيه، واجعلنا من أهلِ مدينةِ رسولِكَ صلى الله عليه وسلم ومِن أهلِ بقِيعِها يا ربَّ العالمينَ.

🌹🌹 بقلمي / حفصة اسكندراني 🌹🌹

الثلاثاء، 27 مارس 2018

قَالَتْ: أُرِيدُ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَِة الأُولَى مِنَ البَلَاءِ!!..

قالت: أريد الصبر عند الصدمة الأولى من البلاء!..

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه.. أما بعد

فقد سألني من يحسن الظن بي: كيف أصبر عند الصدمة الأولى؟، فكدتُ أحجم عن الإجابة، فبضاعتي في هذا الباب مزجاة، والله وحده يعلم ما بي من ضعف إيمان، وقلة يقين، فلست أهلا للإجابة عن هذا السؤال، ولا أهلا للتصدي لمثل هذه المسائل، خاصة وأن أهل العلم قد تناولوها وبينوها للناس، ففي عالم الانترنت عشرات المواقع والمقاطع التي تتحدث عن ذلك، فمن أنا لأُسأل عن مسألة كهذه؟، ومن أنا كي أجيب؟، غير أني ورغم هذا كله استحييت رد السائلة التي لا أعرف حتى اسمها، فحتما لم يفتها البحث عن مسألتها في الانترنت، ومع ذلك أملت أن تجد عندي ما يروي ظمئها، فأنى لي ردها وقد أحسنت الظن بي، لذا استعنت بالله وكتبت تأملاتي المتواضعة في هذا الموضوع، عل الله أن ينفعني بها وإياها، فكان مما كتبت:

من ينشد الصبر عند الصدمة الأولى من البلاء فلا يظنن أن الصبر يأتيه محض صدفة، أو محض أمنية، بل هو محض توفيق من الله ، فليس كل من تعلم أسباب الصبر تمكن من تطبيقها إذا ما عصفت به ريح البلاء، وليس كل من كتب وألّف ونصح الناس وأرشدهم في هذا الشأن هو مطبق لما يتفوه به، فقد يُوفق المرء للصبر عند الصدمة الأولى من البلاء، وقد لا يُوفق، ولا يستبين الواحد منا من أي الفريقين هو حتى يبتلى ويدخل بنفسه ساحة الامتحان (عافانا الله وإياكم).

ولأن الصبر عند المصيبة ليس وليد لحظته؛ فقد شغلتُ به زمنا؛ أفكر وأتأمل، وأبحث وأنقب، فلابد من خطوات مسبقة على المرء اتخاذها أيام الرخاء، من أجل أن يُوهب بها الصبر والثبات في أولى لحظات البلاء (هذا إن كان في مقادير الله له أن يُبتلى، وإلا فالأصل أننا لا ننتظر المصائب ولا نترقب وقوعها؛ وإنما نسأل العافية من كل مصيبة وبلاء) ولما تبلورتْ تأملاتي تلك أردتُها حبرا على ورق، لأرجع إليها عند الضرورة والحاجة، ولكي أجعلها وصفة دوائية متواضعة لأحبتي ولمن أراد.

إن النفس البشرية إذا ركنتْ إلى النعم التي وهبها الله إياها من صحة وعافية ومال وجمال وأهل وزوج وولد، ثم تشبثتْ بها وتعلقتْ، ولم يَدُر بخلدها أنها عرض زائل يُفقد في غمضة عين، وأنها معرضة لأن تكون مصدر ابتلاء المرء والتنغيص عليه بعد أن كانت مصدر راحته وسعادته.. فلا عجب حينها ألا تتعرف على الصبر مع شدة الحاجة اليها وألا يعرف الصبر اليها سبيلا.
فمن لم يهيئ نفسه على احتمالية الفقد وتقلب الحال؛ جزع عند البلاء وأصابته المصيبة في مقتل، فهو لم يحصن دفاعاته ليوم كهذا، فأنى له الصبر والرضى بينما السخط والجزع يملأ جوفه ويجري في شراينه.

ولعل من الأسباب المعينة على الصبر في صدمته الأولى هي أن يرتب المرء نعم الله في حياته، من الأعظم والأهم إلى الأدنى فالأدنى، ويعود لسانه على مداومة شكر الله عليها في كل وقت وفي كل حين، والغاية من ترتيب النعم أن يكون عقله الباطن على بصيرة من موقع كل نعمة وأهميتها لديه؛ فإذا ما أصابه سهم البلاء عاين موضعه، وقدر حجم الفقد، ومرّ مرورا سريعا على ما بقي بحوزته من النعم ليطمئن على وجودها، فإذا قام بهذه الخطوات كانت ردة فعله الأولى عند المصيبة هي التريث والتأمل، لأنه إنما يقيّم مصيبته أولا، فإذا ما أدرك حجمها وحجم ما بقي له من النعم لم يجزع، ولم يصرخ، ولم تتهاوى الحياة أمام ناظريه، ولم يتدمر الكون في أفقه، لذا تجده هادئ النفس راسخ الايمان، وإذ بلسانه الذي عوده على الشكر؛ قد مارس عادته؛ فإذا به يشكر الله ويحمده، ويحوقل بيقين ويسترجع، فيثير فعله هذا تعجب من حوله، وما دروا أن صبره في الصدمة الأولى ما هو إلا نتاج عمل عقلي وقلبي دؤوب، مارسه في الرخاء، حتى ثبته الله به في الشدة، ومن ألهم الشكر والاسترجاع والحوقلة عند البلاء، فليستبشر برضى الله عنه وبقرب الفرج، فالله كريم رحيم لا يضيع من توكل عليه، ولا يخيب من أحسن الظن به.

وترتيب النعم يختلف حتما من شخص لآخر، لكني أتوقع أن أهم النعم لدينا يشترك فيها الجميع، فنعمة الإسلام تأتي أولا، ويدخل فيها سلامة المعتقد، والسلامة من الفتن، تليها نعمة الصحة والعافية، فمن وجهة نظري أن نعمة العافية تأتي قبل نعمة وجود الوالدين أو الزوج أو المال والولد، فمن فقد صحته لم يهنأ بزوج ولا ولد، بل ولكان عالة عليهم، حتى إنه ليرى نفورهم منه بين أعينهم؛ في حركاتهم وسكناتهم، أو على أحسن تقدير سيرى في وجوه أحبته ما تسبب به لهم من حزن وألم وكدر بمرضه وعلته.
ومن فقد صحته لم يهنأ كذلك بالمال الذي يملكه، حتى إنه ليراه مجرد آلة لتخفيف ألمه، ورشوة لمن حوله كي يظهروا شيئا من الاهتمام المصطنع به فحسب.
وبعد نعمة الصحة تأتي بقية النعم وتتوالى، كلٌ بحسب قلبه وهواه.

وعند ترتيب قائمة النعم وتوزيع أحبتنا عليها حسب محبتنا لهم من الجيد أن نجعل بعد كل مرتبة يحتلها شخص مهم في حياتنا مرتبة أخرى، وهي مرتبة حب هذا الشخص لنا، بمعنى: من رتب نعمة وجود والدته في حياته وحبه لها في المرتبة الثالثة وكان ممن رزقه الله بحب والدته له ورضاها عنه؛ جعل المرتبة الرابعة: حب والدتي لي، فإن حرم حبها ورضاها اكتفى بجعلها في مرتبة واحدة، وهكذا، فنعمة أن يرزقنا الله بوجود شخص نحبه في حياتنا، ونعمة أخرى أن يرزقنا الله حب هذا الشخص لنا، ووضع ذلك في جدول النعم له اعتباره وأهميته، فهو يرتب الذهن ويمنح المرء الحكمة وحسن التصرف في النوازل.
فمن أصابته المصيبة في ماله تذكر في الحال أن المال في ترتيبه هو السابع أو الثامن، فتهون عليه مصيبته، وإن أصابته المصيبة في ولده تذكر ما فوق ذلك من النعم وما تحته، وتذكر أن له من الولد كذا وكذا، وأنه ما أصيب إلا في واحد منهم، وهكذا.
ومن أصيب في صحته تذكر ما بقي له منها، وما فوقها وما تحتها من النعم، ومن أصيب في دينه تذكر ما بقي له من دينه سالما، وما بقي له من نعم لا تعد ولا تحصى في قائمة النعم الخاصة به، فيلهج لله بالشكر، فيحوز بشكره هذا أعلى درجات الصبر.

وثمة فائدة أخرى لترتيب النعم واستحضار ذلك في وقت المصائب، فمن أصابته المصيبة في المال تصبر ليس لأجل نفسه فحسب؛ وإنما لأجل من يحب، فثمة أحبة هنا وهناك هم عنده أغلى من المال، فهو يصبر ويخفي حزنه مرة لأجل نفسه ومرات من أجلهم، حتى لا يصيبهم الجزع بجزعه والحزن بحزنه، لانه باختصار يعرف قيمة ما لديه من النعم.

وللصبر مرارة عرفها بنو البشر في كل زمان ومكان، وعبروا عنها بأصعب وأعنف العبارات كرها لها ونفورا منها، لكن الملفت أن القرآن الكريم قد وصف الصبر بالجمال، وخالف بذلك ما تعارف عليه البشر، فثمة صبر جميل، وصبر قبيح لا جمال فيه!! والقرآن بذلك يعلمنا الصبر الممدوح الذي به تنجو مراكبنا من الغرق ومن عواصف البلاء العاتية، قال تعالى: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا)، اي اصبر صبرا بلا شكوى، ولا سخط ولا جزع، صبر الرضا والتصديق، صبر العزة والاختيار لا القهر والاضطرار، صبرا يورث الثبات والفلاح في الدارين.

إن ادراكنا المسبق واستذكارنا لأنواع الصبر وترتيبنا لنعم الله علينا في حياتنا يجعلنا عند نزول المصيبة في ثبات لا تزعزعه العواصف والأعاصير، وهب أن الواحد منا حين يباغته البلاء قد فاتته تلك التأملات، وأنسته الفاجعة كل ترتيب؛ فليتذكر حينها أنه إنما أعد نفسه للصبر في مثل هذا اليوم، وأن منزل البلاء به هو أرحم الراحمين الذي أغدق عليه بألوان النعم دون استحقاق منه لها، فهل نكفر بنعم الكريم لأجل ابتلاء قدره علينا؟؟، وهل نسخط بما ارتضاه الله لنا كأننا نجهل أن اختيار الله لنا هو خير من كل اختياراتنا؟؟، ألسنا نؤمن أننا في دار ابتلاء؟! فما العجيب اذن لو نزل بنا البلاء وداهمنا؟، ألسنا نبصر الناس حولنا يزلزلون من شدة الابتلاء؟!، وقبلهم الصالحون والأنبياء؟، ألسنا نوقن أن الله يبتلينا لأجل أن يطهرنا من ذنوبنا ولأجل أن يرفع درجاتنا في دار الجزاء؟.. فلم الجزع والسخط؟ ولم الخوف والغضب من رب رحيم حكيم؟، ألم يريينا الله من رحماته ومن حكمته القدر الذي يجعلنا مطمئنين أنه أرحم بنا من أنفسنا ومن والدينا ومن الناس اجمعين؟، وأن حكمته لا يدانيها حكمة مخلوق؟
فلنري الله - أيها الكرام - في شدتنا حسن الثقة به، وحسن التوكل عليه، وحسن الالتجاء إليه، ولنسمعه أصواتنا، ولنتذلل بين يديه بالتوبة والإنابة، ونخضع له بالتسليم وحسن العبادة، ولنكن على ثقة أن الله لن يردنا خائبين، وأنه سيرزقنا طاقة عجيبة من الصبر واليقين، وشحنات من الأنس به ستورثنا سلاما داخليا يتعجب منه الجميع حولنا، لذا فلنحسن ضيافة الابتلاء، فالبلايا - كما قال ابن الجوزى - ضيوف، فلنحسن قِراها حتى تَرحل إلى بلادِ الجزاء مادِحة لا قادِحة.


اللهم إنا نسألك العافية من كل بلاء، فإن كان ولابد فاللهم ارزقنا الصبر عند البلاء، وألهمنا الثبات عن النوازل و الملمات، ووفقنا لرضاك في جميع أحوالنا، وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء.. وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


بقلمي/ حفصة اسكندراني
حرر  ونشر 10 رجب 1439ه في ملتقى أهل التفسير
https://vb.tafsir.net/tafsir55704/#post283477

الخميس، 28 سبتمبر 2017

حِينَ وَطِأَتْ قَدَمَايَ مَغْسَلَةَ الأَمْوَاتِ!! (قصة حقيقية)

أمَام مبنًى صغيرٍ ملحقٍ بأحدِ مساجدِ القصيمِ ـ التي أزورَها لأوّل مرّةٍ في حياتي ـ توقَّفْنا وتوقَّفَ معنا سربُ السياراتِ التي كانتْ تُرافقنا, وحين تلفّتُّ أتأملُ المبنى صافحتْ عينايَ اللافتةَ الكئيبةَ التي تعلوهُ (مغسلةُ الأمواتِ... قسمُ النساءِ) فشعرتُ بقبضةٍ ورهبةٍ!.
وقبلَ أن أخطوَ خطوةً خارجَ السيارةِ؛ كان الحماسُ الذي يدفعُني لملاقاةِ جسدِ صديقتي الغالية ــ التي حالتِ الأقدارُ بين لقائي بها قبلَ وفاتِها ــ قدْ فَتُرَ وتبخّرَ دفعةً واحدةً. فرحتُ أشحذُ تماسُكي وقوّتي وأنا أحدّثُ نفسي: لقد أتيتُ من المدينةِ ومعي جارتي (صديقتُنا المشترَكةِ) فورَ سماعِنا للخبرِ لأجلِ هذهِ اللحظةِ, ..لأجلِ أن نحقّقَ أمنيتَها ـ رحمَها الله ـ في لقاءٍ يجمعُنا كما تمنتْ, صحيحٌ أنّه لقاءُ أحياءٍ بأمواتٍ لا طعمَ لهُ... لكنّه يعدُّ لقاءً!! ولطالما وعدناها بلقاءٍ!.
لقد جئنا محبّةً لها ووفاءً بصحبتِها... جئنا لأجلِ أنْ نغسِّلَ جسدَها الحبيبَ بأيدينا, ونودِّعُها قبلَ أن تُوسدَ الترابَ, بعدَ أن وَضعَ الموتُ نقطةً في آخرِ سطرٍ من كتابِ حياتها الحافلةِ بالمعاناةِ والصراعِ المريرِ مع المرضِ الخبيثِ. عافانا الله وإيّاكم وتغمّدها بواسعِ رحمتِه.
وقد كنّا ـ ثلاثتُنا ـ في يومٍ من الأيامِ نمثّلُ خيرَ صحبةٍ, وأجملَ رفقةٍ, وأروعَ جيرةٍ يحسِدنا عليها القريبُ قبلَ البعيدِ. لكنّها الأيَّامُ لا تُبقي على حالٍ. لذا لم يكنْ مستغربًا أن نُعلنَ لجميعِ معارفِها وبناتِها أنَّنا نحنُ الاثنتينِ فقط منْ سنحضرُ غسلَها.
وكمسلوبِ الإرادةِ الذي يُساق سوقًا.. اجتزتُ أنا ورفيقَتي بوابةَ المغسلةِ, وفي الداخلِ استقبلتنا امرأةٌ وقورٌ, وأمرتْنَا بنزعِ عباءَاتنا لنكون أكثرَ مرونةً في الحركةِ أثناءَ الغسلِ, ثم طلبتْ إلينا الانتظارَ على مقِاعدَ بجوارِ البوابةِ ريثما تُنهي ما بيدها, ثم غابتْ خلفَ ستارةٍ سوداءَ حالكةِ السوادِ تغطّي عنّا الأفقَ بأكملِه!.
كان المكانُ رطبًا, غريبَ الرائحةِ, والستائرُ السوداء كئيبةٌ كئابةَ الموتِ ذاتِه!. صوتُ بكاءٍ مكتومٍ يأتي من ركنٍ لا نبصره خلفَ الستائرِ, يتخللُّ هذا الصوتُ صوتَ قطراتِ ماءٍ منتظمةٍ توحي بأن أحدَهم لم يُكمل إغلاقَ صنبورَ الماءِ جيدًا, رائحةُ عجيبةُ أشتمّها لأولِ مرةٍ في حياتي.
لا ندري ماذا يجري وراءَ الستائرِ؟ لكن أصواتًا تحدثتْ أخيرًا إلى صاحبةِ الصوتِ الباكي ليقلنَ لها: لقد انتهينا فأخبري الرجالَ أن يستعدّوا لاستلامِها. فجاوبهُنَّ نشيجُ بكاءٍ متألمٍ لامرأةٍ متوسطةِ العمرِ وهي تقولُ: (الله يرحمكَ يا ميمتي. الله يُدخلكِ الجنّة)
وفجأةً وبدونِ مقدماتٍ اندفعَ جانبٌ من الستائرِ السوداءِ وبرزَ منه سريرٌ متحرك ٌمسجيٌّ عليه جثّةَ امرأةٍ مكفّنةٍ لا يظهرُ إلا وجهها. وَاكبَ ظهورها صوتُ دقاتٍ تتعالى على البوابةِ التي بجوارنا لأجلِ أن يُسمحَ للرجالِ بالدخولِ لاستلامِ المرأةِ. وهنا ـ لا أخفيكم ـ حدَّثتني نفسي بالفرارِ, فلأوَّل مرةٍ أرى مثلَ هذا المنظرِ, ولولا أن خلفَ المخرجِ الوحيدِ لهذا المكانِ جمهرةٌ منِ الرجالِ لما ترددتُ في الخروجِ للحظةٍ ذاهلة عن عباءَتي!
عادتْ إلينا المرأةُ التي استقبلتنا فدعتنا للدخولِ خلفَ الستائرِ حتى يتمكّنَ الرِّجالُ من أخذِ تلكَ المرأةِ, ولأجلِ أن نشرعَ في غُسلِ صديقتنا لننتهي قبلَ أذانِ الظهرِ بوقتِ كافٍ لكي نستعدَّ للصلاةِ.
كانتْ رفيقتي أولَ من دخل, وقد كانتْ جريئةً متحمسةً لرؤيةِ صديقتِنا, وكنتُ أظنْنُي ـ حتى لحظةِ دخولنا لهذا المكانِ ـ على ذاتِ الدرجةِ من الحماسِ وربما أكثر, لكنَّ الرُّعبَ دبّ بينَ جنبيَّ, حتى حُببَّ إليَّ أن تنشقَ الأرضُ فتبتلعني على أن أدخلَ هذا المكانَ المرعبِ!
دخلتُ فإذا بقاعةٍ كبيرةٍ مربعةِ الشكلِ مرتفعةِ السقفِ بها عددٌ مصفوفٌ من الطاولاتِ البيضاءِ المخرّمةِ!, الطاولاتُ في صفوفٍ متوازيةٍ, وبينَ كلِ طاولةٍ وأخرى مسافةً كافيةً من الأمتارِ. يمرُّ في أعلى المكانِ شبكةً من المواسيرِ على ارتفاعٍ يمرُّ فوقَ الرُّؤوسِ وقد عُلِّقتْ عليها خراطيمُ مياهٍ حمراءَ, وفي أرضها خطوطٌ طويلةٌ من بالوعاتُ الصرفِ الصّحيِّ حولَ كلِ طاولةٍ لأجلِ ابتلاعِ المياهِ المتناثرةِ هنا وهناكَ.
بقيتُ مسمّرةً في مكاني, أصواتُ الرِّجالِ وهم يحوقلونَ ويودِّعونَ أمَّهم كانتْ تتردّدُ بصدى في أُذنُي, رفيقتي دخلتْ إلى ركنٍ لا أبصِرُه.. ولم أقوَ أن أتُابعها ولو ببصري. ولا إراديًا تشبّثتُ بالستائرِ السوداءِ التي كرهتُها مُذْ دخلتُ المكانَ حتى لا أنهار, فإذا بها تحِنُّ عليَّ وتُبقيني أَبدو كامرأةٍ شجاعة متماسكةٍ في هذا المكانِ الكئيبِ.
خرجَ الرجالُ مصطحبينَ معهمُ الصخبَ الذي أحدثوه بدخولِهم, فسمعتُ صوتَ المغسِّلاتِ على بعدِ ثلاثِ طاولاتٍ من موقعي, لكنّي لم أجرُأ أن أمدَّ عُنقي لأبصرُهنَّ. وسمعتُ رفيقتي تبكي وهي تنادي صديقتنا وتترحمَ عليها.
بقيتُ حيثُ أنا فلقد تجمّدتْ الدماءُ في عروقي, أبصرَتْني إحدى المغسِّلاتِ, وكأنّها قرأتْ ذُعري وخوفي فجاءتْ برفقٍ تدفعُني كي أذهبَ وأسلّمَ على الميّتةِ!, ورغمَ أنَّ الصمتَ كان قد ابتلعَني إلا أنني رفضتُ عرضَها بحزمٍ أوصلتُه بكل شيءٍ إلا صوتِي, حتى بدوتُ كطفلةٍ صغيرةٍ ترفضُ أن تُقادَ إلى عقابٍ تتوقعُه, لكنَّها راحتْ تُربِّتُ علي يدي وهي تقولُ: هذه حالُ الدنيا يا ابنتي, فقط تعالي وانظري إليها ولوْ من بعيدٍ. لا أدري كيفَ خطوتُ خطوتين حتى بدا لي من بعيدٍ الجسدُ يرقدُ على إحدى الطاولاتِ,... رأتني رفيقَتي فراحتْ تردِّدُ بعربيتِها المكسَّرةِ المشوبةِ باللكنةِ الإنجليزيةِ: (تعالي يا حفصة شاهدي كيفَ وجهَها مضيءٌ, هذهِ وجوهُ أهلِ القرآنِ... تعالي سلِّمي عليها.. تعالي... ما أجملها.. أنظري إليها!).
للأسف لمْ أتحرَّك من مكاني, ولم أَلُمْ نفسي أنّنِي لم أكنْ بشجاعةِ رفيقتي, فقد كانتْ امرأةً شجاعةً منذُ قرّرتْ أن تُعلنَ إسلامَها في وجهِ أسرةٍ استراليةٍ نصرانيةٍ متشددةٍ, ثم قامتْ لفترةٍ بعدَ إسلامِها بتغسيلِ موتى المسلمينَ في إحدى مشافي سيدني رغمَ رقَّتها المتناهيةِ التي لا تناسبُ عملًا كهذا. ومن ذلكَ المكانِ روَتْ لنَا كَم رأتْ من آياتٍ عجيبةٍ يقشعرُّ لها البدنُ, فبرغمِ أنّ ثلاجةَ الموتى في المشْفَى الذي تعملُ فيه لا تفرِّقُ بين جثةِ مسلمٍ أونصرانيٍّ أو يهوديٍّ أو ملحدٍ؛ إلا أن جثثَ المسلمينَ كانتْ محصَّنةً من الدودِ الذي يخرجُ من وجوهِ وأفواهِ ومناخيرِ الجثثِ الأخرى المجاورةِ لها في نفسِ الثلاجةِ!, مما جعلَ المُوكلةُ بغسلِ جثثِ الكفارِ وإضافةِ مساحيقِ التجميلِ إلى وجوههم الكالحةِ تعلنُ إسلامَها هي الأخرى بسبِ هذه المشاهداتِ العجيبةِ!
نِداءَاتُ رفيقتي لي لم تتوقفْ, لكنني لم أستطعْ أنْ أتحركْ من مكاني, وظللتُ هناك على بُعدِ عشرةِ أمتارٍ تقريبًا حتى انتهى الغُسلُ.
شاهدتُ كلّ شيءٍ... شاهدتُ كلَّ التفاصيلِ وأنا مُسمَّرةٌ في مكاني, تعصفُ بي الأفكارُ عصفًا.
شاهدتُ من مكاني عالمًا لم أبصرُه في حياتي... فهناكَ يقفُ بكَ الزّمنُ.. وتتوقفُ أفلاككُ عن الدورانِ.. هناكَ ينتهي الكلامُ وتنتحرُ الأحلامُ... هناكَ تقصرُ الآمالُ وتوأدُ جميعُ المخططاتِ.. هناكَ تلطمُكَ الحقيقةُ, وتتعرى الحياةُ من كلِ أقنعةِ زيفِها.. هناكَ تتصاغرُ همومكَ التي كنتَ تظنُّها جبالًا فلا يبقَ إلا همٌّ واحدٌ يترددُ في ذهنِك بكلِ إلحاحٍ.. ماذا ينتظرني بعدَ هذهِ الحياةِ؟؟ أهيَ جناتُ النعيمِ أم نارُ الجحيمِ والعياذُ بالله؟؟
هناكَ في مغسلةِ الأمواتِ ترى مساراتٍ جديدةٍ ومختصرةٍ لحياتِكَ غيرَ تلكَ التي كنتَ ترسمها منذ سنين.. هناك تضطربُ جميعُ حساباتِكَ.. نظرتُك الشاعريةِ لكلِ شيءٍ في الحياةِ تنطفئُ.. ستدركُ أشياءً لم تكن تدركها من قبل.. فجسدُك ما هو إلا ثوبٌ مستعارٌ!! ستخلعه يومًا لتستلمُه منك... هوامُ الأرضُ!, روحكَ وحدَها التي كنتَ لا تسعى لتجميلها كما تسعى لتجميلِ جسدِكَ = هي التي ستبقى, بل وستُجهَّز لترتدي ثوبًا آخرَ! فأيُّ ثوبٍ هو يا تُرى؟؟
ثم إذا كان جسدُكَ ثوبًا مستعارًا.. فمن بابِ أولى أنَّ ما بينَ يديكَ من مالٍ وجاهٍ وزوجٍ وولدٍ وحظوظٍ وأملاكٍ = مستعارٌ أيضًا.
فمـــــــــــا أتفهكَ أيُّها الإنسانُ الغافلُ الأحمقُ!!
شعرتُ بخدرٍ في قدمي وغيبوبة تتسلّلُ إلى عقلي..لقد باشرنَ الغسلَ.. استسلامُ الجسدِ السلسِ لأيدي المغسلاتِ ليقلِّبنَه كيفما شِئنَ آلمنِي وأوجعَنِي وصدَمَنِي!!
كنتُ أظنُّ أنني سأظلُ الوحيدةَ التي تقرّرُ كيفَ أحرِّكُ جسدي... لكن يبدو أنني سأترُكُه يومًا لأيدٍ لا أعرفُها تقلِّبهُ كيفَما شاءتْ وأنا هناك محبوسة أسمعُهنّ... لكنني لستُ معَهنّ!.
الحركةُ مِنْ حولي كانتْ نشطةً, وخراطيمُ المياهِ كانتْ تعملُ بسخاءٍ, وأنا لازلتُ في مكاني. كم كنتُ أحتاجُ لصفعةٍ تخرجُني من ذلكَ الكابوسِ المظلمِ... من تلك القوقعةِ التي أُحشرُ فيها قسرًا. لم أعدْ أُبصرُ من الألوانِ إلا الأبيضَ والأسودَ... لا أذكرُ لونًا آخرَ إلا لونَ العشبِ الأخضرِ الذي صبَبْنَه على جسدِ الميِّتَةِ ليفركنَهُ بهِ, ومعه عَبَقَتْ رائحةٌ لا أعرفُ كنْهَهَا. لم تكنْ جميلةً.. لَا.. ليسَ هناكَ شيءٌ جميلٌ إطلاقًا, ..لكنَّها لم تكن سيئةً أيضًا.
الثِّقَلُ الذي في لسانِي تمدَّدَ وتضاعفَ, لمْ أستطعْ أن أتلَفَّظَ حتى بالدعاءِ. أحضَرنَ الأكفانَ البيضاءَ وشرعنَ في تكفينها, وأنا بدأتُ أدركُ أنني أخرجُ عن عالمي... حتمًا سأُحدِثُ ضجةً بسقوطي... سأضّطرُهنَّ ليستنجِدنَ بالرجالِ ... وعباءَتي أين هي عنّي؟؟!!
بدأتُ أقاومُ غيبوبةً تُلِّحُّ على جميعِ حواسِّي وتتسلَّقُ أسوارَ عقلي لتَبْتَلِعَهُ, فوالله لكأَنَّني أقاومُ وحشًا كاسرًا!. فخطرَ ببالي أنْ أبذلَ طاقتي للخروجِ من تلك الحالةِ بالاستغفارِ علَّ الصوتَ يخرجُ بالتدريجِ فتنفكُ عقدةَ لسانِي. فلمْ أزلْ أستغفرُ وأستغفرُ حتى خفَّ ثقلُ لساني تدريجيًا, ثم سمعتُ صوتي ينطلقُ فجأةً من سجنِه.
وكَمَنْ أَلْقَى بألواحٍ من الزجاجِ الهشِّ على رخامٍ أمْلسٍ قاسٍ فانفجرتْ وتناثرتْ = انفجرتُ وتناثرتْ دموعي من محبسِها, ثم انطلقَ لساني بما جاشَ في أعماقِي, ورحتُ أدعو وأترحَّمُ على تلك المرأةِ الصالحةِ التي كانتْ أحبَّ صديقاتي إلى قلبي, وكنتُ من أحبِّ صديقاتِها إلى قلبِها.
انتهى التكفينُ.. ودخلتْ أفواجٌ من النساءِ عليها لتودِّعها وتقبِّلَها, ولم أزلْ بعيدةً عنهنَّ أرمُقُهنَّ. أَدْخَلوا زوجَها وإحدى بناتِها فودَّعُوها وخرجوا جميعًا, ولم يبقَ إلّا أنَا وإحدى المُغَسِّلات في المغسلةِ بكبرِها, وحين شرعتْ المرأةُ بإغلاقِ الكفنِ حينَها فقط تحركتُ!... تحركتُ وصِحْتُ في المرأةِ أنِ انتظِري!...
اقتربتُ من الجسد المكفَّنِ, ووقفتُ عند رأسِ صديقتي ثم نظرتُ إليها وأنا أقاوم دموعا حارة مؤلمة, وهمستُ قائلةً بحروفٍ متلعثمةٍ, أسمعُ بعضها ويغيبُ عن السمعِ بعضُها الآخر:
صديقتي: أعلمُ أنكِ كنتِ تتوقعينَ أن أكونَ من أوائلِ من يقبِّلُ رأسكِ الحبيب قبلة الوداعِ... لكنني خائنـــــــــــــــــةٌ...
جبانـــــــــــــــةٌ...
لم أستَطِعْ...
لَم أكُنْ أعرفُ بجُبني هذا... فسَامحِيني...
لقدْ كنتُ هنا حولَك طوالَ الوقتَ... لكني كنتُ صامتةً!...
لم تغيبي عن عيني لحظةً...
لكن حالَ بيني وبينكِ حقيقةٌ لم أكنْ أعِيها حتى لحظةَ رؤيتِك على هذا الحالِ... وفي تلك الخطواتِ التي فصلتْ بيننا دارتْ معارك عنيفة تصارعتْ فيها الحقائقُ الجديدةُ مع أوهامي وأحلامي ونظرياتي القديمةِ, حتى تغلبتْ الحقيقة, فقَصُرَتْ بيني وبينكِ المسافاتُ... وهَا أنَا أتَيتُك...
أرجوكِ سامحيني..
لم أكنْ الأولى التي تطبعُ قبلة الوداع ِعلى رأسكِ, بل لم أكنْ ضمنَ الجموعِ أصلًا, لكنني..... سأكونُ الأخيرةُ.
ثُمّ طبعتُ قبلةً على جبينها وتركتُ دمعةً على وجهِها, وخرجتُ إلى الحياةِ امرأةً أُخرى بعقليةٍ أخرى تفوقُ سنواتِ عمري, ونظرةٍ جديدةٍ ذات أبعادٍ عميقةٍ...
أنا لمْ أهيلَ الترابَ على جثَّة صديقتي...
ولا أتصوَّرُ كيف تعودون ـ يا معشرَ الرجالِ ـ إلى الحياةِ بعد تجربةِ الدفنِ القاسيَةِ هذه؟؟!!!!!.
ووالله إنِّي لأحمَدُ الله الذي رحِمنا ـ نحن معشرَ النساءِ ـ من حضورِ الجنائزِ وتتبُّعِها ودفنِ الموتَى... فما أظنُّ أننا نقوى على رؤيةِ تلكَ الأهوالِ دونَ أن نصابَ بصدمةٍ عصبيةٍ, أو سكتةٍ قلبيةٍ مفاجئةٍ قبل أن يفرغَ الناسُ من مراسمِ الدفنِ.
لقد خرجتُ حقًا من مغسلةِ الأمواتِ بروحٍ مولودةٍ طاهرةٍ نقيةٍ... لكني ما لبثتُ إلَّا أنْ عُدتُ كمـــــــــــــــــــــــ ـــا كنتُ لاهيةً غافلةً!.
فوااااحسرتاهُ على حالِنا! وإلى الله وحده المُشتكى.
لقد نسيتُ كلّ الذي رأيتُ, وأخذتْني الحياةُ في دوَّامَتِها, وشغلتْنِي بهمومِها الصغيرةِ التافهةِ قبل الكبيرةِ!, وأغرتني بمباهِجِها حتى تَجَرَّعْتُ من كأسِها الغاويةِ حتى الثُّمالة. ولا زالتْ تُكثُرُ عليَّ بخمرِهَا حينًا فأسْكَرُ, وتُمسكُ عني حينًا فأستفيقُ...
ولا أعْلَمُ متى يحينُ الأجلُ أفِي السَّكْرَةِ أمْ فِي الاستفَاقَةِ ؟؟
وهل يَقْتَضِي منِّي لأجلِ أنْ أسترجعَ كلَّ ما ممرَ بخيالي, وما شعرتُ به وما قرَّرْتُه, وما تكَشَّفَ لي من عوراتِ الحياةِ في تلكَ الّلحظاتِ = أَنْ أعودَ إلى مغسلةِ الأمواتِ ثانيةً؟؟
وهل إنْ عُدْتُ إليها ثانيةً... هل سأجَدِدُ تلكَ الذكرى وذاكَ الشعورُ ذاتُه وبنفسِ القدرِ من الحرارةِ؟؟
أم أنّني سأكونُ أكثرُ بلادةً, وسأتصرَّفُ مع الموقفِ بعدمِ اكتراثٍ؟؟
أم أنَّني لنْ أكونَ لَا هذا ولا ذاكَ... وإنَّما سأُسَجِّلُ شعورًا آخرَ لمْ أجرِّبْهُ من قبلُ...
شعورَ أنْ أكونَ أنا الميِّتَةُ بينَ يدي المُغَسِّلاتِ!!
أسألُ اللهَ أن يرحمَنا برحمتِه الواسعةِ, ويُحسنَ ختامَنا وإيَّاكُم, وألَّا يشغلنا بالدّنيا فتكونَ هي أكبرُ همِّنَا ومبلغَ علمِنا. وأَنْ يجمَعَني بِكم جميعًا في جنَّتِهِ فرِحِينَ بِما آتَانا اللهُ منَ النعيمِ الذي يدومُ ولا يزولُ. إنَّهُ وليُّ ذلكَ والقادرُ عليهِ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمّدٍ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِمَ.
محبتكم:

حفصة اسكندراني

حرر ونشر في ملتقى أهل التفسير
17/06/1433 - 08/05/2012

الأحد، 7 مايو 2017

حتما هناك ما هو أسوأ !! (قصة قصيرة بها عبرة) بقلم/ حفصة اسكندراني

على صوت تلامس صحن القهوة بسطح الطاولة التي بجوار سريره.. انتبه!
طوى الجريدة المثقلة بمآسي الأمة مع حفنة من التفاهات التي لا تتناسب مع تلك المآسي, ثم اعتدل.
تعلقت عيناه بالقهوة التي لازالت تدور دوامتها في الفنجان.. غمغم بالشكر في صوت خفيض!
بدا شكره روتينيا للدرجة التي لا تستدعي الرد عليه!
قال وعيناه لازالت ترقب القهوة:
رجاء أحضري لي لحافا إضافيا, فيبدو أن الشتاء يصر أن يدكك قواي!
وفي زاوية من الغرفة كنتُ هناك أرقبه وأنا أبدو متشاغلا بحاسوبي.
تحركتْ جدتي الحبيبة لتحضر له طلبه, ومرّت على المدفئة لترفع درجة حرارتها, بينما مدّ هو ذراعه ليتناول عُلب الدواء من جوار سريره!.
وفي حركات روتينية منتظمة راح يخرج قرصا أو اثنين من كل علبة ثم يعيدها إلى مكانها بدقة.
العلبة الأولى كانت من دواء يعدُّه رفيق مرضه أو بالأحرى رفيق دربه.. بالأمس فقط عرفني عليه, وقال أنه يعرفه من قبل أن يعرف زوجته!
إنه يتناول الدواء ليس من أجل الشفاء وإنما ليحافظ على ما تبقى من صحته من التدهور!
لا دواء على وجه البسيطة قد صنفه البشر لعلاج مرضه الذي أصابه منذ أن كان في الثانية عشر من عمره, ربما في المعامل تجري تجارب على تركيبات دوائية تشفي من دائه, لكننا لا ندري هل يمتد عمره ليدركها أم لا؟ وهل إن لحقها سيكون بإمكانها أن تعيد عليه شبابه الذي فاته الاستمتاع به؟
أخبرني ذات يوم بأن مجموع ما تناوله من الحبوب في حياته قد يوازي انتاج مصنع دواء بكامل طاقته الانتاجية لمدة سنة!! وبابتسامة دافئة أضاف: أنا عميل مميز ـ بلا شك ـ لشركات الدواء!.
تناول كأس الماء الذي بجوار قهوته التركية التي يهوى تناولها قبل النوم؛ لأنها تساعده على النوم, على عكس الآخرين!
ابتلع مع الماء الأقراص التي أخرجها واحدا تلو الآخر!, فهو لا يحب أن يزحم حلقه بها دفعة واحدة!.
 أعاد الكأس مكانه, وعاد ليفتح المزيد من علب الدواء؛ ليخرج المزيد من الأقراص!
لم أكن أهوى مراقبته قبل ذلك, لكن حديثنا بالأمس كان حاضرا في ذهني بعد أن ترك بداخلي أثرا عميقا, حتى أنني لم أعد ساخطا على الجبيرة التي قيّدتْ رجلي منذ شهرين, ولولاها لما كنتُ بقيتُ في المنزل لحظة واحدة.
حين تنزل بنا المصائب عادة لا نعي أن في طياتها نعمة سنحصل عليها, وقد تكون هذه المصيبة نقطة تحول في حياتنا وتفكيرنا إلى الأحسن.. هذا ما أدركته بالأمس فقط.
كانت ذكريات الحادث الذي أصابني كابوس يلاحقني يوميا, فأجدني في قلب إعصارٍ عاصفٍ, وقد تبعثرَ كياني, ولم أعدْ أبصرُ من الكونِ سوى دوائرَ ذلك الاعصارِ المتلاحقةِ.. اعصارٌ لا مرئيٌّ.. وحدي أنا من أبصره, ووحدي أنا من علي مصارعتُه والمكافحة للخروج من أعماقه, فجهاد أن تعود نفسك على التكيف مع الحياة بعد فقدك ـ ولو فقدا مؤقتا ـ لشيء مميز اعتدت على وجوده في حياتك.
لقد أُجريتْ لي عمليات في ركبتي وفي عظام الفخذ لأجل أن تعود رجلي قادرة على حملي مرة أخرى, ولازال أمامي بعض الوقت لكي أتماثل للشفاء, لذا كانت نفسيتي مهترئة ومحطمة قبل وبعد كل عملية أجريها, فحقا أنا في دهليز من دهاليز هذه الحياة, فقد أخبرني جدي في أيامي الأولى التي لزمت فيها المشفى, أنه ثمة دهاليز في الحياة, لكننا لا نبصرها, ولا نشعر بوجودها إلا لحظة ولوجنا فيها, وفي هذه الدهاليز لا نرى ضوء الشمس ولا موج البحر ولا نبض العشق, فقط نشتم رائحة الطين الممزوجة باليأس!, بعض الدهاليز سطحية وقصيرة, ندخلها سريعا لنخرج بعد ذلك فننساها, وبعضها يأبى إلا أن يعلق في ذاكرتنا بطولِهِ وشدة ظلمته!. لكن عربة الحياة ستمضي بنا مسرعة وهي تطوي تحتنا مسافات الحاضر طيا، كل ما نبصره في الأفق البعيد لا يلبث أن يكون حاضرا، وكل حاضر جميلا كان أم مؤلما؛ فإن سرعة عربة الحياة كفيلة بدفعه إلى غياهب الماضي العميق لتبتلعه فيصبح مجرد ذكرى!.
أعاد جدي العلب إلى مكانها وبين يديه أقراص أخرى! ورائحة القهوة تعبق بالمكان, تحثّ حواسه على سرعة احتسائها, وجدتي لازالت تعبث في خزانة الملابس في أقصى الغرفة, فتحدث ضجة خفيفة, اختلطتْ بأصوات خافتة تنبعث من الشارع المتجمد خلف النافذة, يتخللها صمت الليل الذي يحاول فرض سيطرته على الأجواء بلا يأس ولا استسلام!
معرفة مواعيد الدواء فنّ بات يتقنه, ويستحق عليه جائزة في الدقة والتنظيم, لقد أخبرني بكل مرح أنه فكر أكثر من مرة في أن يكتب طريقته في تنظيم الدواء للمرضى الذين يسأمون من كثرة ما يخلطون بين مواعيد الأدوية التي يتناولونها!
وبحماس وروح مشرقة راح يشرح لي الطريقة قائلا: الأمر ببساطة إعداد ثلاث أو أربع مجموعات من الأدوية مقسمة على أوقاتها, وبالطبع هناك أدوية تكرر في اليوم مرتين أو ثلاث مرات ومع ذلك يُوضع لها في كل مجموعة علبة مختلفة, ومع كل مجموعة منبّه إلكتروني صغير خاص بها, يدق في الوقت المخصص لتناولها, وهناك ورقة أنيقة داخل كل مجموعة, محدّد فيها أسماء الأدوية وجرعاتها.
حماسه وهو يحكي طريقة تنظيمه للدواء تشعرك بأنه يستحق أن يسجل عليه براءة اختراع!
جدي ليس كهلا كما يتبادر إلى الذهن, بل هو جدّ صغير, لا زال في بدايات الخمسين من عمره, وعادة الناس يبدأون في مثل هذا العمر رحلتهم مع الأمراض, لكنه بدأ مع المرض في سنّ مبكر جدا.
ابتلع الأقراص جميعها ثم عاد إلى ذات المجموعة ليكمل ما بدأ.. أخرج أربعة أقراص أخرى من علبها, ثم أعاد العلب إلى مكانها.
خمسة عشر قرصا هي حصته من هذه المجموعة المسائية! هذا ما أخبرنيه بالأمس حين رآني أتأفف من نسياني المستمر لثلاثة أقراص كتبها الطبيب لي!, حينها تبسم لي بحنان وقال:
"يا بني أتعلم؟ عندما كنتُ في بدايات شبابي كنتُ أتناول سبعة أقراص فقط, لكني كنتُ في كل مرة أتناولها أتضجر من حالي ومن كثرة تناولي للدواء، وكنتُ أتساءل دائما بسخط وتهكم: ترى هل هناك ما هو أسوأ من ذلك؟ وكلما تقدم بي العمر علمتُ أن هناك ما هو أسوأ!.
صحيح أني لم أصب بانتكاسة صحية خطيرة تدهورتْ على إثرها صحتي لأعرف أن هناك ما هو أسوأ ـ في المشافي أو في غرف الإنعاش أو في بيوت تحت الحصار والقصف،  أو في بيوت فقراء لا يجدون ثمن الدواء ـ إلا أن تزايد عدد حصتي من الأقراص في كل مرة كانت إجابةً واضحة لسؤالي، فهناك حتما ما هو أسوأ!".
لقد مضت سنوات من عمره وهو ناقمٌ على صحته التي لا تماثل صحة أقرانه, ولازالتْ صحته في تدهور نسبي, وهو معها في حسرة تتزايد, حتى بلغ الأربعين ـ كما أخبرني ـ, حينها أيقن أن هناك ما هو أسوأ, فكفّ عن تكرار هذا التساؤل كل يوم, واستبدله بقول: الحمد لله!, ثم مال علي بصوت خفيض وأضاف: ما أعذبها من كلمة! الحمد لله في كل حال, فما أكثر نعمه!, وكم نضيع  من أعمارنا في سوء الظن بالله, ثم ندرك حين ننضج أننا إنما نرفل في بحار نعمه!
أخيرا انتهى جدي من حصة الدواء المسائية, وتناول بكلتا يديه فنجان القهوة الذي لفظ آخر أنفاسه من البخار المتصاعد!, وعاد إلى الاتكاء على وسادته في اللحظة التي عادت فيها جدتي بلحاف إضافي؛ ليغطي عظامه التي تصطك خلاياها باحثة عن الدفء, رغم أن الجو ليس بهذه البرودة التي تستدعي ذلك, لكنه المرض!
كم بتّ أشفق عليه, لكنها شفقة يخالطها إعجاب, فهو إنسان رائع لا يرى أن هناك أمراض أسوأ من مرضه فحسب, بل بأفقه الواسع الناضج يرى أن فقدان الأمن أسوأ, وأن الجوع والفقر المقدع أسوأ, وأن ضياع الأمة وانصرافها عن دينها أسوأ, وأن غلبة الأعداء وتعديهم على مقدسات الإسلام أسوأ وأسوأ, وثمة أشياء كثيرة يسردها لك هي أسوأ من مرضه, ولا تملك حينها ألا أن تشعر أننا جميعا بعافية تامة وليس بنا بأس.
لازالتْ كلماته تتردد في مسمعي وهو يقول: "عجبًا لابن آدمَ يحيا حياتَه بأفقٍ ضيقٍ, ونظرٍ قاصرٍ, متعللاً بمحدوديةِ بصرِه, فيركنُ إلى الأمتارِ التي يراها من الأرضِ دونَ غيرِها, وكأن الأرض هي الجزء الضئيل الذي يراه ويعيش فيه, لذا هو للأسف يعيشُ حياتَه في دوائرَ مفرغةٍ من صنعِ خياله الأسيرِ؛ لا يستبصر الحكم, ولا يرى النعم, ولو فعل لعاش في رضى عن أقدار ربه وسعادة".
حينها نظرتُ اليه بحزن أسترجع بيني وبين نفسي حالي وسخطي على ما أصابني, فأضاف: "أكبر خسارة يا صغيري أن تخسر الله سبحانه وتعالى, وأن تكون في سخط عليه وعدم رضى, ومع ذلك أروع ما في هذه العلاقة أنك إن أتيت الله معترفا بخطئك وسوء ظنك فيه؛ عفا عنك ولا يبالي, فعلاقتنا بالله هي أرقى العلاقات, بينما أصعب العلاقات وأكثرها تعقيدا هي تلك التي بين بني البشر بعضهم بعضا, ذلك لأنها محكومة بعادات وعقليات متفاوتة في الفهم والإدراك, وموكلة إلى نفسيات متقلبة هي غاية في التعقيد والغموض, لذا تجد الخطأ في حق أحدهم مشكلة كبرى قد لا تُغتفر, وقد تقضي الزلة الواحدة على أجمل العلاقات, فتشقي قلبين؛ قلبٌ لم يتوقع الخطأ من صاحبه, لذا جُرح كبرياؤه حتى النخاع, وقلبٌ مخطئ يدرك فداحة خطئه, فتراه يكد ويشقى من أجل محو هذا الخطأ, والرجوع إلى ما وراءه, لاستعادة العلاقة بينه وبين الطرف الآخر, قد ينجح وقد لا ينجح, وربما يبقى طوال عمره يستجدي الغفران ولا سبيل إلى ما يشتهي.
أما مع الله فليس ثمة خطأ لا يغتفر, كل خطأ ـ صغر أم كبر ـ له ما يمحوه, وخلفه طرق للعودة, ومحطات للبدايات, ودروب للانعطاف إلى الطرق الرئيسية, وثمة أثواب تُنزع, وأثواب نقية تُمنح, ليس بها من شوائب الماضي شيء, ذلك لأن الله عز وجل رحيم بعباده".
استفقتُ من شرودي على نظرات جدي التي يصوبها نحوي, وبابتسامته الدافئة وصوته الحنون قال: "مؤلم أن يصرخ جسدك يريد الدفء بينما الجو يبدو معتدلا للآخرين, ومع ذلك.. الحمد لله؛ فلدينا مدفأة!, ولدينا لحفا اضافية نلتحف بها!, فحتما هناك ما هو أسوأ, فغيرنا لا يملك دارا ولا دثارا".
فما كان مني إلا أن ابتسمت له وأومأت موافقا, فيبدو أن جدي اكتشف انصرافي عن الحاسوب لمراقبته منذ وقت, وربما كان يراقبني من حيث ظننتُ أني أنا من أراقبه.
وها هو لازال يمطرني بحكمه, ويخفف عني بذكائه وفطنته, ورغم أن سنوات عمرى الخمسة عشر قد لا تستوعب حكم هذا الرجل الرائع؛ لكنها على الأقل ستكون حاضرة في بالي في كل منعطف صعب في حياتي, وسأضيف بها عمرا لعمري ونضجا لفكري واستيعابي.



انتهت
بقلمي حفصة اسكندراني

الأربعاء، 1 فبراير 2017

صَفْعَةُ استِفَاقَةٍ!!

في خضم ضجيج هذه الحياة, ومن مركز إعصارها الصاخب = نشعر أحيانا بحاجتنا للتوقف, للهروب وللانسحاب, وللكثير من البكاء!, لكننا وللأسف لا نفعل؛ لا نتوقف، ولا نهرب من الواقع الذي لا نريده, ولا ننسحب, بل وأحيانا لا نرغب في أن نفعل!, نحن فقط نستسلم ونمعن في الاستسلام رغم حاجتنا للهروب وللمواجهة!.

 ندرك تمام الإدراك أننا نغرق باستسلام في وحل يصعب الخلاص منه, وندرك تمام الإدراك أننا بحاجة إلى صفعة قوية, صفعة تُوقف الزمن, وينقطع بها إدراكنا لكل الصخب الذي حولنا, إنها صفعة استفاقة, تهز كياننا, وتجمع ما تشتت من تركيزنا, لتفجر حاجز الصمت والعجز, وتمزق حبائل الاستسلام التي تقيدنا, فنغير دفة الاتجاه, لنبحر في الطريق الذي أضعناه.

نعم نحن ندرك حاجتنا لهذه الصفعة الناصحة المقوِّمة عند ضياع أهدافنا, لكننا ومع الأسف قد لا نجد من يصفعنا!, ولا نجد من ينتشلنا من جموع اللاهين, ويجذبنا إلى صدره بحنان ليمنحنا لحظات نفجر فيها ما احتُبس داخلنا من بكاء وغضب, وحزن وقلق, وألم وبغض لأنفسنا ولواقعنا الذي استسلمنا له.

في بعض الأحيان نحاول رغم اليأس والعجز المعشعش في أعماقنا = إلقاء أنفسنا أمام شخص له مكانة في قلوبنا لنستفزه بمساوئنا, ونكشف له عورات سلوكنا عن عمد, ونحن نأمل في أن يكون هو صاحب الصفعة التي سترتطم بحاضرنا لتنتزعنا منه, وهو صاحب اليد الحانية التي ستحتوي أكفنا وتحتضن شعث قلوبنا, لكن إلقاء المرء نفسه أمام من يصفعه هو فعل يتطلب جرأة متناهية, قد لا يمتلكها الواحد منا مع ما يعانيه من عجز ويأس, لذلك تفوته فرص النجاة, فيظل ينجرف في دوامته الصاخبة مستسلما, ينتظر أن تُهدي له الأيام شخصا يصفعه, فما يكون منه حينها إلا أن يتعلق به كما الغريق بالقشة, وأنى للقشة أن تنقذ الغريق خاصة وأنه قد فوت على نفسه أوان النجاة ببلاهة وحمق وغباء!.

إن استسلامنا لواقع لا نريده سواء في علاقتنا مع الله تبارك وتعالى, أو في علاقتنا مع الناس, أو في عزوفنا وانشغالنا عن تحقيق أهداف ارتسمناها لأنفسنا = لهو ظلم عظيم في حق أنفسنا, وفي حق حاضرنا ومستقبلنا, ولابد لهذا الظلم أن يُجابه ويُحارب ويُستأصل.

جميلٌ أن تجود لنا الحياة بشخص حنون صادق مخلص ومحب ليصفعنا صفعة الاستفاقة التي نحتاج اليها متى انحرفت مراكبنا, لكن من السذاجة أن نضيع أنفسنا وأعمارنا في انتظار شخص يفطن لحاجتنا للاستفاقة, ثم يُمنح التوفيق في توجيه الصفعة المناسبة لنا, فليس كل صفعة تنجح, فثمة صفعات سلبية تزيدنا رغبة في الاستسلام والضياع!.. لكن الأجمل من انتظار شخص محب فطن هو أن نجد حلا بأنفسنا؛ فبإمكاننا حقا أن نصفع أنفسنا بأنفسنا, ونقيم حربا داخلنا, بإمكاننا أن ننازل اليأس والاستسلام, نحاوره.. نناقشه ونحاكمه, بإمكاننا أن نصرخ فنُسمع آذاننا ـ دون أن يُسمعنا الآخرون ـ كم نحن بعيدون عن الطريق الذي نحب أن نكون فيه.

بإمكاننا حقا أن ننقذ أنفسنا بأنفسنا مستعينين بقوة الله على ضعفنا وعجزنا, فنصنع المستحيل, ونغير دفة الاتجاه إذا انحرفنا, دون الاستعانة بناصح, فالاستسلام والعجز, وضياع الأوقات والأعمار, وهدر الطاقات, والغفلة عن أهدافنا الكبرى في الحياة = حقا لا يليق بنا.

بقيتْ همسة أود أن أهمس بها في أذنك أيها الفطن.. تفقد أحبتك ومَنْ حولك من وقت لآخر بنظرة ثاقبة مشفقة, فرب ضائع منهم يحتاج لصفعة ناصح تعيد له رشده, وتأخذ بيده إلى الدرب القويم, فاجعل من راحة كفيك بلسما لأمثال هؤلاء, ومن ضلوع صدرك ملجأ حصينا لهم, وحضنا دافئا يخلصهم من زمهرير همومهم.



حفصة اسكندراني


الخميس، 3 نوفمبر 2016

توابيت العالم الافتراضي!!..



في مواقع الانترنت المختلفة وفي وسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص.. من يعبأ بوجودك من عدمه؟، ومن يترقب تتابع منشوراتك ليستدل بها على تتابع أنفاسك وأنك بخير؟، من سيلحظ غيابك فور اختفاءك, ليس لأنه اكتشف ذلك صدفة أو من باب الفضول؛ وإنما لأنه حقا يتحسس نبض قلبك في هذا الحياة؟!!.
نعم قد يلحظ اختفاءك عن عالم (النت) عدد لا بأس به من المتابعين، ممن يسمون مجازا  بالأصدقاء، لكن ترى كم عدد الذين سيقلقون عليك قلقا حقيقيا يشغلهم ويؤرق صفوهم؟؟ وإن فعلوا.. كم منهم الذين سيتخذون الخطوة التالية فيسألون عنك حتى يصلون إليك؟، عشرة؟؟, خمسة؟؟, أكثر؟, أقل؟, وربما لا أحد؟!! نعم البعض منا ربما لن يفتقده أحد, فإن حظيت بأحد يفتقدك بصدق ويقلق عليك رغم أن منشأ علاقتك به كان عبر هذه المواقع = فأنت محظوظ به!، وهذا لا ينفي أبدا أن واقعنا في هذا العالم الافتراضي مؤسف جدا؛ وكأننا نرقد فيه مسبقا في توابيت جاهزة؛ نصدر حركة لنقول: أننا أحياء.. أننا نكتب.. أننا نتنفس!، فسكوننا ببساطة يعني = الموت!، لكن وضعية التموقع داخل هذه التوابيت لا تحتاج إلى إعلان موت أو إعلان اختفاء!.. إنها جاهزة لتحكي ذلك دون إحداث ضجة، فقط بعض السكون سيفي بالغرض, والواقع يشهد بذلك, فظروف الحياة المتقلبة قد تبتلع أحدنا بمرض طويل أو مصاب جلل، فتشغله عن دخول تلك المواقع والتطبيقات للأبد، فيموت فيها بينما هو لا يزال حيا يرزق في مكان ما من أرض الله الواسعة!!
وفي عالم الانترنت وفي وسائل التواصل الاجتماعي خاصة = لن تصل إلى علاقة انسانية مثالية - منشأها هذا العالم الافتراضي - وتنجح في ارضاء كرامتك!!؛ فأنت حين تتألم لن يشعر بألمك أحد، ولن ير اصفرار وجهك أحد، ولن يلحظ حزنك أحد، حتى انهمار دمعك - وإن سال أنهارا - لن يبصره أحد!!, فلابد أن تصرخ وتعلن: (أنا أتألم!.. أنا حزين!.. أنا ضائع!.. أنا محبط!.. أنا وحيد!) لتحظى بالتفاعل والمواساة المشوبة بالإحسان، والشفقة المقيتة التي لن ترو غرورك ولن ترض كرامتك.
قد يسعنا أن نتكيف بعض الشيء مع هذا النوع من العلاقات فنعلن أننا نتألم.. أننا نبكي.. أننا بحاجة للمواساة!؛ لكننا عند الألم الحقيقي والخوف الحقيقي والضياع الحقيقي سنتوقف عن كتابة مثل هذه التفاهات، رغم أن الوجع وقتها سيكون أكبر، والحاجة لمن يواسي أكثر وأعمق, فهذه هي طبيعة (توابيت العالم الافتراضي) التي وضعنا أنفسنا فيها عن غفلة منا أو عن قصد وتغافل.
وأكاد أجزم أنه سيأتي اليوم الذي سيسجل البعض منا انسحابا من هذه المهزلة الهلامية الكبرى ليعود للواقع، وحين يحدث ذلك أرجو أن يكون سكان الواقع مازالوا على طبيعتهم الاجتماعية ولم يتحولوا الى آلات بعد، فنحن بحاجة لمن يحتوينا دون أن نصرخ، ويجفف دمعنا دون أن ننخرط في البكاء فعليا، ويمرر يد العطف على أكتافنا دون استعطاف واستجداء منا، ويمسح مواضع الألم فينا دون أن نرجوه ليفعل.

حفصة اسكندراني

الخميس، 28 يوليو 2016

أنا وأنت .. وقبو الذكريات!

أنا وأنت .. وقبو الذكريات!
📂⚰📂⚰📂⚰📂

أمتلك قبوا في ذاكرتي للنسيان.. فيه تجتمع ملفات النسيان التي تُحذف من الذاكرة مع التقادم، لكنها قابلةٌ للاستعادة.. ليس في حالاتِ تذكرٍ اعتياديةٍ؛ وإنما أستعيدها عادةً بعد حدثٍ مفاجئٍ يشبه أحداثَ تلك الذكرى، أو عقب هزةٍ أرضيةٍ عنيفةٍ بفعل فاعل تصيب قبو ذكرياتي ذاك!
وحين يحدث ذلك؛ تخرج الذكرى منه كمومياء مكفنة يعلوها الغبار، حتى أنا أخشى الاقتراب منها وأرتعب، لكنها تصر على الاقتراب مني بينما شرائط الكفن البيضاء المغبّرة تتساقط عنها الواحدة تلو الأخرى كاشفة ملامح وجهها، فإما أن أتعرف إليها فأسرع نحو الشرائط لأزيلها، وأنفض عنها ذاك الغبار، وأصطحبها معي خارج القبو الموحش، وإما أن أنكرها وأتراجع عنها مستوحشة لأنزوي في الزاوية البعيدة أرقبها من عليٍّ وهي تتخبط هنا وهناك.. تبحث عني كيما أساعدها، فإذا حانت لي فرصة للهرب تسللت وحدي من القبو خلسة وأغلقته خلفي بإحكام، ولربما وضعت فوق بابه صخرة لكي تيأس من الخروج فتضطرها الوحدة للرجوع إلى مكانها، فتعود لوضعية الأموات من جديد.

وفي قبو الذكريات المنسية هذا ثمة خزانة خصصتها للذكريات التي أتعمد نسيانها مع سبق الإصرار والترصد، وعلى رفوفها وفي أدراجها أودعتُ الكثير من الذكريات التي أقنعت عقلي اللاواعي بأني نسيتها، بينما عقلي الواعي يدرك كم أنا كاذبة!

و كلما نزلت إلى القبو أتلمس غرضا اختلست النظر إليها من بعيد، ثم غضضت الطرف وتشاغلت عنها حتى لا يجذبني الحنين إليها فأضيع.

باختصار يا سيدي هذا قبوي الذي أعرف، لكن مؤخرا اختلف الوضع فيه قليلا..
 ففي ذلك القبو.. هناك أنا المنسية، وأنا التي أتعمد نسيانها، وهناك أنت..

نعم هناك أنت أيضا تحتل الأدراج والأرفف، بل وتفرض وجودك على سائر مساحات القبو!، فأرى وجهك ماثلا أمامي حين أنزل قبو الذكريات، وحين أغلق القبو وأضع عليه تلك الصخرة الثقيلة وأنصرف أيضا أراك!!.
فلا القبو قادر على احتواءك ولا الصخرة قادرة على احتجازك!

نعم رحلتَ بقسوة وتركتني، وأجزم أنك الآن نسيتني.. لكن ذكرياتك يا سيدي قد استوطنتني، وطيفك الباغي أعلنه احتلال!

أعترف.. حاولتُ تحجيمك بعد رحيلك بكل الوسائل, وأعترف أن القبو كان مشروعا فاشلا لاحتوائك؛ فأنا أراك يا سيدي تتوسط مسرح ذكرياتي بطلا، وأراك في جميع الشرفات جمهورا.. وخلف الكواليس مخرجا ومؤلفا..

لا بأس.. سأشاهد مسرحياتك حتى يمل طيفك المحتل.. فحتما ستنتهي كل السناريوهات، وحتما سيخبو بريق عينيك، وستتصاغر قامتك، ويدب الوهن بين جنبيك، حتى تدفعك الأيام وحدها إلى قبو الذكريات دفعا، حينها سأقنع العقل الواعي هو الآخر بأن ينساك، وحين تدب الحياة يوما في مومياء طيفك سأطلق رصاصة قاتلة نحوها لأبيدها للأبد.

بقلم/حفصة اسكندراني

السبت، 18 يونيو 2016

كان بيننا لكنه توفي بالأمس!!..


 كان بيننا لكنه توفي بالأمس!، توفي في شهر رمضان المبارك، وقد كان مثلي ومثلك يؤمل أن يتمه!، ولديه خطط للعيد، وما بعد العيد، بل لديه طموحات بذل جهدا لتحقيقها وهاهي ثمارها قد دنت واستوت استعداد للقطاف!.
لقد توفي بالأمس.. هكذا قالوا، وأرفقوا الخبر برابط حسابه على تويتر!!.
لم أكن أعرفه ولم أسمع به حتى قالوا توفي رحمه الله، ولقد شدني الفضول لأتصفح حسابه الشخصي!، وليتني ما فعلت!، فلقد أرهقني وأحزنني التنقل في بستان فكره العامر بالعطاء.
حسابه في تويتر ينبض بالحياة للحد الذي يشعرك أن تغريدة جديدة ستنشر الآن، وأن فكرة ما ستكتمل الآن الآن، وأن جدالا راقيا سيدور حول السياسة والدفاع عن حقوق المسلمين في هذه اللحظة!!.
لا شيء يوحي في الحساب بأن صاحبه قد مات، فهنا وهناك أنصاف أفكار وحوارات لم تكتمل بعد!.
لم يتسنى لأهله أن يكتبوا: (لقد توفي صاحب هذا الحساب) بعد، ربما شغلوا بمراسم العزاء!.
وأنا وأنت لم يكتب في حساباتنا: (لقد توفي صاحب هذا الحساب) بعد، ونكاد لا نتخيل حدوث ذلك أصلا، هذا لأننا لاهون بما بقي من أعمارنا ونظن أننا باقون، وأن في العمر الكثير.. حتى شغلنا طول الأمل!
لا أدري لم استفزني قلمي للكتابة عن إنسان لا أعرفه، لكن حسابه يؤنسك فيشعرك أنك حقا كنت تعرفه وتعجبك حروفه وتغريداته وتتابعه منذ زمن!
لا شيء في حسابه بتويتر يوحي لك بأنه توقف أو أن صاحب الحساب حقا مات - كما يقولون - سوى تغريدة واحدة كان يغرد بها كل جمعة ومعها صورة أخاذة للطبيعة، تغريدة يذكر الناس فيها بأهمية الصلاة على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه التغريدة الدورية لم تنشر أمس الجمعة على غير العادة!! لماذا؟
لأن صاحب الحساب بالفعل قد مات!!.
 ما أسرع تقلب الأحوال وانتهاء الآجال، لقد بتنا نألف سماع النهايات: فلان مات، وفلان انتهى!!.. السليم قبل المريض!، والصغير المفعم بالحيوية قبل الكهل الكبير!، وطيب الذكر قبل الطاغية الظالم الذي يتمنى الناس موته!!، فعجبا لتصاريف القدر!
حتى أحداث عالمنا السياسية وقضايا أمتنا التي نحترق لأجلها ونترقب نهاية لمآسيها = يبدو أن أعمارنا أقصر بكثير من أن تستوعبها!!
نتفاعل مع الكثير من الأحداث وننفعل، بينما موقعنا منها ليس أكثر من شاهد عاين زاوية واحدة من حدث ما، وقد كان يظن نفسه فاعلا، لكن أجله باغته فجأة فخرج من الحياة دون أن يشهد بقية احداث القضية التي كانت تشغله!!
 وهكذا تمضي الحياة بين فاقد ومفقود، وشاهد ومشهود، بل إن حسابتنا على وسائل التواصل الاجتماعي تلك التي نقضي أوقاتا لنجمل ما ننشره فيها لكي نصل بها إلى القلوب؛  هي ذاتها التي ستكون خنجرا يؤذي قلوب أحبتنا بعد وفاتنا!، فهم حتما سيقرأونها حرفا حرفا، وسيستجدون خط النشر كي يجود لهم بالمزيد!.. سيطالعونها كل صباح على أمل أن يعود ضخ الدماء إلى عروقها ثانية!.
للأسف ستظل حساباتنا تشغلنا مادمنا أحياء،وتشقي أحبتنا إذا صرنا أمواتا!!، لكن الأصعب تصورا والأشد إيلاما أن تكون حساباتنا التي نأنس بها في الدنيا هي هي سبب شقائنا  بعد موتنا لا سمح الله.
فرحم الله الدكتور علي العبيدي @DrAliabeedi وأبدله حياة أفضل من حياته، وجعله من أهل النعيم هو وكل فقيد فقدناه، وكل مسلم رحل عن الحياة عرفنا به أم لم نعرف..
اللهم أرحم موتانا وموتى المسلمين اللهم أحسن وفادتهم، وتغمدهم برحمتك، ونور قبورهم، وصبر قلوب محبيهم، وارحمنا برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.